في تناقض صارخ يفضح الهوة السحيقة بين الوعود السياسية والواقع الاقتصادي المأزوم، ضرب رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي عرض الحائط بكافة تعهداته السابقة بشأن وقف نزيف الاستدانة بالعملة الصعبة. وجاء هذا التحول ليعيد التذكير بآليات الحكم العسكري التي قادت انقلاب 2013، والتي اعتمدت بالأساس على ترحيل الأزمات الهيكلية عبر الرهن المستمر لأصول الدولة وإثقال كاهل الأجيال القادمة بترسانة من الديون الداخلية والخارجية الفلكية.
وكان السيسي قد أعلن بلهجة حاسمة، خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في 14 مارس/آذار الماضي من داخل دار القوات الجوية، أنه “ليس من المنطقي ولا من العدل الاستمرار في الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية الاحتياجات”، محذراً من الدخول في دائرة مفرغة. غير أن المجريات على الأرض تثبت أن تلك التصريحات لم تكن سوى مناورة سياسية للاستهلاك المحلي وتهدئة الغليان الشعبي؛ إذ واصل النظام وتيرة الاقتراض بجميع أشكاله دون أدنى تراجع.

مفارقة “قروض الرفاهية” وسيل لا يتوقف من التمويلات الخارجية
وتجلت قمة التناقض الحكومي الأحد الماضي، حينما وافق السيسي على قرض جديد بقيمة 300 مليون دولار من “البنك الآسيوي” تحت لافتة مستفزة تدعي تعزيز “المرونة والرفاهية”، في وقت يصف فيه الاقتراض للسلع الأساسية بالظلم. ولم يكن هذا القرض معزولاً؛ إذ شهد شهر يونيو/حزيران الجاري قفزة جنونية في الموافقات الرئاسية والخطط التمويلية:
خريطة الاستدانة الخارجية والداخلية الأخيرة:
- يونيو 2026: موافقة على قرض ياباني بقيمة 35 مليار ين، بالتوازي مع قرار جمهوري بالموافقة على قرض صيني بقيمة 1.5 مليار يوان لمشروع سكة حديد العاشر من رمضان ($LRT$).
- مبيعات السندات والدولارات: أعلن وزير المالية أحمد كجوك عن رغبة مصر في إصدار سندات دولية بنحو 4 مليارات دولار للعام المالي (2026-2027)، مقدراً الاحتياجات الخارجية الملحة بين 8 و9 مليارات دولار، مع التجهيز لإصدار سندات “ساموراي” مقومة بالين الياباني في يوليو/تموز المقبل.
- العودة لصندوق النقد: رغم نفي رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، كشف بنك “ستاندرد تشارترد” عن احتمالية عودة مصر للاقتراض مجدداً من صندوق النقد الدولي فور انتهاء القرض الحالي البالغ 8 مليارات دولار الخريف المقبل. يأتي ذلك بعد إقرار الصندوق المراجعة السابعة بصرف 1.5 مليار دولار.
- الاستنزاف المحلي والأموال الساخنة: طرح البنك المركزي المصري أذون خزانة وسندات محلية بمليارات الجنيهات والدولارات خلال أسابيع معدودة (منها طرح بـ 207 مليار جنيه وآخر بـ 40 مليار جنيه)، في حين قفزت “الأموال الساخنة” والمشتريات الأجنبية لأذون الخزانة بنحو 7 مليارات دولار هذا الشهر، مستغلة الهدوء المؤقت بين طهران وواشنطن، وهو ما يمثل قنبلة موقوتة تهدد بانهيار احتياطي النقد عند أي اضطراب سياسي.
الأرقام المفزعة تلتهم الموازنة: 597 مليون جنيه لخدمة الدين كل ساعة
وتأتي هذه القروض العشوائية لتصب في موازنة منهارة ترزح تحت وطأة ديون خارجية تتعدى 164 مليار دولار. ووفقاً لتقارير بنك “$HSBC$” والبيانات الرسمية، فإن فاتورة فوائد الديون أصبحت عبئاً تاريخياً غير مابل للاستدامة:
- جدولة الفوائد المستحقة: تطالب البنوك مصر بسداد 29.8 مليار دولار كفوائد خلال العام الجاري وحده، و18.8 مليار دولار بحلول 2027، و32.34 مليار دولار كإجمالي مدفوعات مستحقة في 2026 وفق البنك المركزي.
- ابتلاع الموازنة الجديدة (2026-2027): تبلغ نسبة خدمة الدين (فوائد وأقساط) 128.9% من إجمالي إيرادات الدولة، وتلتهم 63.9% من إجمالي الإنفاق العام، لتصل مخصصات الفوائد وحدها إلى 2.42 تريليون جنيه، بينما يقدر إجمالي الدين العام (المحلي والخارجي) بنحو 21.93 تريليون جنيه.
وعبر لغة الأرقام الصادمة، لخص عضو مجلس النواب محمد فريد المشهد عبر صفحته قائلاً: “كل ساعة تنفق الدولة 933 مليون جنيه، يذهب منها 597 مليون جنيه لخدمة الدين وسداد أقساطه (بنسبة 64% من الإنفاق)، مقابل 336 مليون جنيه فقط للأجور والتعليم والصحة والاستثمار والدعم معاً.. وفي المقابل، تقترض الدولة 458 مليون جنيه كل ساعة لتمويل هذا الإنفاق”.
رهن الجغرافيا وبيع الأصول للإمارات والصين لسداد الفواتير
وفي محاولة بائسة لتهدئة الجهات الدائنة وتنفيذاً لإملاءات صندوق النقد الدولي، يواصل نظام السيسي الانقلابي تصفية وبيع الشركات والأصول العامة البالغة 561 شركة. ومن أبرز ملامح هذا البيع المجزأ للأراضي والمقدرات السيادية:
- طرح البنوك والصناعات التاريخية: الاستعداد لطرح “بنك القاهرة” (ثالث أكبر البنوك الحكومية) في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وعرض صرح “غزل المحلة” الصناعي التاريخي على المستثمرين الأجانب.
- الاستحواذ الإماراتي: منح الحكومة هذا الشهر عقد إدارة وتشغيل محطة طاقة رياح “جبل الزيت” العريقة لمدة 25 عاماً لشركة “ألكازار إنرجي” الإماراتية مقابل 420 مليون دولار فقط تم توجيهها بالكامل لخفض الدين العام، في حين جرى التعاقد مع شركة “ساني” الصينية لإقامة مشروع آخر بخليج السويس عبر قروض جديدة غير معلنة.
- رهن أراضي الدولة كضمانة: في خطوة قانونية خطيرة، قرر السيسي هذا الشهر تخصيص 112.1 مليون متر مربع من أراضي الدولة بمحافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية لاستخدامها حصراً كـ “رهن وضمانة” لإصدار الصكوك السيادية، تلت خطوة مشابهة لتخصيص 174.4 كيلومتر مربع بمنطقة رأس شقير لذات الغرض الاستدانتي.
المواطن المطحون يدفع الثمن: إلغاء الدعم ورفع الأسعار
وبينما ينفق النظام مئات الملايين على مشروعات الهيئات الاقتصادية والموانئ عبر اقتراض 459.3 مليار جنيه من البنوك المحلية والأجنبية، يلتفت السيسي إلى جيوب الفقراء لانتزاع ما تبقى منها؛ حيث تترجم القرارات الأخيرة خطة واضحة لتحميل المواطن فاتورة الفشل:
- تفكيك الدعم السلعي: الاستعداد لتطبيق منظومة “الدعم النقدي” بدلاً من “الدعم العيني” الشهر المقبل، مما يهدد الأمن الغذائي لـ 61 مليون مستفيد من التموين و68 مليوناً من الخبز، بعد أن رفع وزير التموين سعر رغيف الخبز من 20 قرشاً إلى 1.5 جنيه وخفّض وزنه إلى 70 غراماً.
- جنون فواتير الكهرباء والطاقة: رفعت وزارة الكهرباء هذا الشهر أسعار فواتير الأنشطة كثيفة الاستهلاك بنسبة 20% لتصل إلى 264 قرشاً لكل كيلوواط/ساعة، تمهيداً لزيادة شرائح الاستهلاك المنزلي بين 10% و30%، وسط ملاحقة سكان المناطق العشوائية بالعدادات الكودية الباهظة.
- سلسلة الارتفاعات المتتالية: جاءت هذه الضغوط امتداداً لقرار رفع أسعار الوقود (بنزين وسولار وغاز) في مارس الماضي بنسب وصلت إلى 30%، مما أدى آلياً إلى رفع تذاكر القطارات ومترو الأنفاق، وزيادة أسعار خدمات الاتصالات بنسبة تصل لـ 15% في مايو، لتشتعل أسعار السلع الغذائية والدواء ومواد البناء والأسواق في وجه المواطن المطحون.
تثبت هذه الوقائع المترابطة أن نظام السيسي الانقلابي لا يملك أي رؤية إنتاجية لإدارة شؤون مصر، بل يستعيض عن ذلك بسياسة “الهروب للأمام”؛ مستمراً في رهن جغرافيا البلاد، وبيع أصولها العريقة للمستثمر الإماراتي والأجنبي، ومحاصرة المواطن في قوته اليومي، ليبقى التناقض الصارخ في تصريحات السيسي شاهداً على نهج سياسي يقتات على الوعود الشفهية بينما يغرق الواقع في تريليونات الديون المتراكمة.
اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال