في خطوة أثارت موجة تنديد واسعة داخل البحرين وخارجها، اعتقلت السلطات البحرينية نهاية الأسبوع الماضي المعارض السياسي والناشط البارز إبراهيم شريف فور وصوله إلى مطار البحرين الدولي قادمًا من بيروت، في أحدث حلقة من مسلسل استهداف الأصوات المعارضة في المملكة منذ أكثر من عقد.

ووفق بيان رسمي لوزارة الداخلية البحرينية، فإن توقيف شريف جاء على خلفيتين: “نشر أخبار كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي” و**”الإدلاء بعبارات مسيئة لدولة عربية شقيقة وقياداتها”**. وهي تهم اعتاد النظام البحريني توظيفها في ملفات تكميم المعارضين، خاصة مع اتساع البيئة القانونية المخصصة لـ”جرائم النشر” و”الأمن الإلكتروني”، التي باتت أداة جاهزة لإسكات أي نقد سياسي أو حقوقي.

وقالت الوزارة إن مدير عام مكافحة الفساد والأمن الاقتصادي والإلكتروني هو من أشرف على التحقيقات، في إشارة تعكس رغبة السلطة في إضفاء صبغة “أمنية” على نشاط سياسي سلمي صرف، رغم أن التوصيفات المستخدمة لا تستند – بحسب منظمات حقوقية – إلى أي معايير واضحة أو أدلة معلنة.

سياق سياسي مضطرب.. وعودة إلى أدوات 2011

يأتي اعتقال شريف، القيادي السابق في جمعية “وعد” المعارضة التي تم حلها قسريًا، في سياق سياسي داخلي محتقن يعيش حالة من الانغلاق منذ قمع احتجاجات 2011. فقد شهدت البحرين خلال السنوات الماضية سلسلة اعتقالات واسعة، طالت سياسيين وحقوقيين ورجال دين ونشطاء مجتمع مدني، ما جعل تقارير المنظمات الدولية تتحدث عن “تراجع غير مسبوق في مساحة الحريات”.

ووفق مراقبين، فإن اعتقال شريف يُضاف إلى سلسلة تجاوزت سبع أو ثماني اعتقالات طالت الرجل منذ 2011، ما يجعله أحد أبرز الوجوه التي دفعت ثمناً باهظاً لمواقفها السياسية. في كل مرة، كان شريف يُحتجز لأسباب مشابهة: “تحريض”، “نشر أخبار كاذبة”، “التحريض على كراهية النظام”، أو المشاركة في فعاليات سياسية إقليمية لا ترضى عنها المنامة أو حلفاؤها.

“جريمة” المشاركة في المؤتمر القومي العربي

وبحسب مصادر معارضة ومنظمات حقوقية بحرينية، فإن السبب الحقيقي وراء الاعتقال يرتبط بمشاركة شريف في الدورة الـ34 للمؤتمر القومي العربي الذي عقد في بيروت بين 7 و9 نوفمبر، وهي فعالية سياسية وفكرية معروفة بخطابها الداعم للقضية الفلسطينية والمنتقد للسياسات العربية الرسمية المتحالفة أو المتقاربة مع الاحتلال الإسرائيلي.

تقول هذه المنظمات إن شريف ركز في مداخلاته على دعم غزة، ورفض التطبيع، وانتقاد المواقف العربية المتحفظة تجاه الحرب الإسرائيلية على القطاع، وهي مواقف لا تُعد استثنائية داخل المؤتمر، إذ يتبناها معظم المشاركين فيه، لكنها – وفق مراقبين – تصطدم بسياسات المنامة التي مضت في التحالف مع إسرائيل منذ توقيع اتفاقيات التطبيع عام 2020 ضمن ما عُرف بـ”اتفاقيات إبراهيم”.

تصريحات شريف، بحسب الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي، “اقتصرت على دعم الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال”، معتبرة أن توقيفه “لا مبرر له على الإطلاق”، ويمثل اعتداءً على حرية الرأي والتعبير التي يفترض أن تكفلها القوانين والمواثيق الدولية.

أدوات قانونية لتكميم الأصوات

تتهم المنظمات الحقوقية الحكومة البحرينية بالاعتماد المفرط على القوانين الإلكترونية وقوانين النشر لتمرير اعتقالات سياسية، عبر عبارات فضفاضة قابلة للتأويل، مثل “إساءة لدولة عربية شقيقة” أو “إثارة الرأي العام” أو “تشويه سمعة المؤسسات”. هذه الصياغات تمنح أجهزة الأمن سلطة واسعة لتجريم أي رأي، خصوصاً الآراء المناهضة للتطبيع أو المنتقدة للتحالفات الإقليمية.

منظمة هيومن رايتس فيرست ومنتدى البحرين لحقوق الإنسان اعتبرا أن توقيف شريف يأتي في إطار “حملة منظمة لخنق المجتمع المدني”، مشيرين إلى أن الرجل يُعرف باعتداله ونشاطه السلمي، وأن مواقفه لم تتجاوز حدود النقد السياسي المشروع.

البحرين بين حليفين: إسرائيل والخليج

يرى محللون أن توجيه تهمة “الإساءة لدولة عربية شقيقة” ليس أمراً عفوياً، بل يعكس حساسية إقليمية تتعلق بالتحالفات الجديدة في المنطقة. فمنذ التطبيع مع إسرائيل، تحاول البحرين، ومعها الإمارات، تثبيت معادلة جديدة تعتبر أي نقد للتطبيع أو لتقاربها مع تل أبيب مساسًا بـ”الأمن القومي” أو “العلاقات العربية”.

وبحسب مصادر معارضة، فإن مشاركة شريف في مؤتمر حمل خطاباً قومياً واضحاً، وانتقاداته لبعض السياسات الخليجية، قد اعتُبرت من قبل المنامة تجاوزاً للخطوط الحمراء. كما لم يغب عن التحليل أن العديد من الأنظمة الخليجية تُضيق الخناق على أي ناشط يدعم المقاومة الفلسطينية أو ينتقد الموقف العربي الرسمي.

ردود دولية وحقوقية

أثار الاعتقال موجة إدانات دولية، إذ اعتبرته منظمات حقوق الإنسان استمرارًا لـ”استراتيجية القمع المفتوحة” التي تتبعها المنامة. وقالت منظمات بحرينية في الخارج إن اعتقال شريف يحمل رسالة ترهيب واضحة لكل ناشط يفكر في التعبير عن رأيه بحرية.

وأضافت أن توقيت الاعتقال – فور عودته من بيروت – يعكس رغبة السلطات في إرسال رسالة بأن أي تحرك خارج الإطار الرسمي، حتى لو كان نشاطاً فكرياً أو سياسياً سلمياً، سيواجه بعقاب فوري.

خاتمة: قمع متجدد في مشهد لا يتغير

اعتقال إبراهيم شريف يعيد التأكيد على أن الوضع الحقوقي في البحرين ما يزال محكوماً بمعادلة أمنية صارمة، حيث تُستخدم القوانين الإلكترونية والاتهامات الفضفاضة كسلاح سياسي. وبينما تُواصل السلطات خطابها حول “مكافحة الأخبار الكاذبة”، يرى المراقبون أن الهدف الحقيقي هو خنق ما تبقى من فضاء عام ومنع أي خطاب معارض، خصوصاً إذا ارتبط بدعم غزة أو انتقاد التطبيع.

وفي ظل غياب أي إصلاحات سياسية حقيقية، يبدو أن البحرين مستمرة في دورة قمع لا تنتهي، ما يجعل اعتقال شريف حلقة جديدة في سلسلة طويلة من استهداف النشطاء والمعارضين، في بلد ما يزال يبحث عن مخرج من مأزق سياسي ممتد منذ أكثر من 14 عاماً.

اقرأ أيضًا : غياب الوسطاء وتعنت الاحتلال.. نزوح يتجدّد بغزة بفعل الأمطار