لم يعد الخلاف الجيوسياسي بين الرياض وأبوظبي مجرد تباين عابر في تقدير ملفات المنطقة، بل تحول إلى صراع كسر عظم متفاقم بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، تتداخل فيه الأوراق الاقتصادية بالملفات العسكرية. وفي هذا السياق، يندرج التلاسن الإعلامي المتبادل والهجمات الممنهجة عبر المنصات كحلقة في سلسلة “حروب الأبواق”، حيث تسعى الماكينة الإعلامية التابعة لأبوظبي لتوظيف ملف “الإسلام السياسي” كأداة ضغط سياسي وابتزاز لتعرية ما تصفه بـ “التناقض السعودي”، محاولةً تحويل براغماتية الرياض في ملفات الجوار إلى عبء استراتيجي يهدد مشروعها الداخلي.

أزمة الثقة والتنافس على القيادة الإقليمية

يكشف المشهد الراهن أن صراع النفوذ بين المحمدين تجاوز مرحلة التنسيق الشكلي؛ فالرياض التي تمثل الثقل التاريخي والنفطي للمنطقة باتت تتحرك بحزم لتقليم أظافر التمدد الإماراتي في الساحات الحيوية. هذا التحرك دفع الأذرع الإعلامية المحسوبة على أبوظبي لشن هجمات مركزة تستهدف السردية السعودية الجديدة، ومحاولة إحراج القيادة في الرياض عبر الترويج بأن فتح خطوط اتصال تكتيكية مع تيارات الإسلام السياسي في اليمن والسودان يمثل تراجعاً عن خطة تجفيف منابع هذه الحركات، وهو ما يعكس رغبة إماراتية واضحة في محاصرة الخيارات المناورة للمملكة وإبقائها ضمن القوالب التي تخدم الأجندة الأمنية لأبوظبي.

الميدان اليمني: تفكيك أحزمة النفوذ المشتركة

في اليمن، يتخذ الصراع بين بن سلمان وبن زايد طابعاً ميدانياً عنيفاً؛ إذ لم تعد الرياض مستعدة لترك الساحة الجنوبية تحت الوصاية المطلقة للفصائل التابعة لأبوظبي. وتكشف التحركات الموثقة لـ “رويترز” و”أسوشيتد برس” عن قلق إماراتي متصاعد من الضغوط السعودية التي أُجبر بموجبها المجلس الانتقالي الجنوبي على التراجع من مناطق إستراتيجية في حضرموت والمهرة، بالتوازي مع ضخ المملكة لـ 500 مليون دولار لدعم قوى وتشكيلات محلية مرتبطة بالحكومة المعترف بها دولياً ومتداخلة مع قوى الإسلام السياسي.

هذا الاندفاع السعودي لترتيب أوراق الجنوب بميزانها الخاص، أثار حفيظة أبوظبي التي ترى في أي تمكين إداري أو سياسي لتيارات الإسلام السياسي (مثل حزب الإصلاح) تهديداً لمشروعها التوسعي، لتستخدم منصاتها الإعلامية للتحذير من أن الرياض تمنح هذه التنظيمات فرصة ذهبية للعودة إلى المشهد، في محاولة واضحة لتأليب القوى الدولية ضد التحركات السعودية وتصويرها كارتداد عن محاربة التطرف.

الساحة السودانية: صراع المحاور فوق البحر الأحمر

يمتد خط التماس بين العاصمتين إلى الملف السوداني، حيث تدعم الرياض مؤسسة الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان لحماية أمن ساحل البحر الأحمر وتثبيت سيادة الدولة، بينما ترمي أبوظبي بثقلها المالي والعسكري خلف قوات الدعم السريع المتمردة. وهنا أيضاً، تستغل الماكينات الإعلامية التابعة للإمارات معطيات التقارير الدولية التي تتحدث عن انخراط عناصر محسوبة على الإسلام السياسي والنظام السابق في دعم المجهود الحربي للجيش السوداني، لتقوم بشن حملات دعائية تتهم الرياض بتمكين هذه التيارات، متغافلة عن أن واشنطن نفسها تتجه لتصنيف تلك المجموعات ككيانات إرهابية عالمية، مما يحول التراشق الإعلامي إلى غطاء لتبرير الدعم الإماراتي للميليشيات التخريبية.

انكشاف اللعبة الإعلامية

تثبت القراءة التحليلية لحروب الأبواق أن التركيز على ثغرات السياسة الخارجية السعودية لا ينبع من حرص على استقرار المنطقة، بل هو تكتيك إماراتي يهدف إلى:

  • إرباك مشروع الرؤية: محاولة ضرب مصداقية “رؤية 2030” عبر تصوير الحدود السعودية كأحزمة قلقة ومحاطة بتنظيمات راديكالية مسلحة أُعيد إنتاجها برعاية الرياض.

  • تصفية الحسابات الخليجية: تحويل الاختلاف التكتيكي حول تعريف المخاطر إلى معركة علنية تمنع بناء جبهة خليجية موحدة، وتثبت رغبة أبوظبي في فرض وصايتها الأمنية على قرارات الدول الشقيقة.

الخلاصة أن استخدام ملف الإسلام السياسي في هذا التوقيت هو انعكاس مباشر لتفاقم الصراع والشرخ الجيوسياسي بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد؛ فالإمارات التي تعاني من تراجع أسهم مشاريعها الميدانية تلجأ إلى حرب الوكلاء الإعلامية لفرملة الاندفاعة السعودية، بينما تمضي الرياض في تفعيل أوراقها البراغماتية لحماية عمقها الإستراتيجي، مما يضع العلاقات الخليجية أمام مرحلة جديدة من المواجهة المفتوحة التي تدار بصراع الأبواق وخلف الغرف المغلقة.