تشهد إيطاليا واحدة من أكثر القضايا إثارة للصدمة في تاريخها الحديث، بعد أن أعلنت النيابة العامة في ميلانو فتح تحقيق جنائي استثنائي حول ما بات يُعرف إعلاميًا باسم “سفاري القنّاصة”؛ وهي رحلات يُشتبه أن أثرياء إيطاليين نظمواها في أوائل التسعينيات للسفر إلى البوسنة، ودفع أموال طائلة مقابل إطلاق النار على مدنيين أبرياء أثناء حصار سراييفو. القضية التي تبدو أقرب إلى مشاهد أفلام الرعب، فجّرت موجة من الغضب الشعبي في إيطاليا وأوروبا، وأعادت فتح جروح حرب البوسنة التي ما زالت آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية للقارة.

رحلات للصيد البشري تحت غطاء الحرب

بحسب المعلومات الأولية التي نقلتها وسائل إعلام إيطالية، فإن عدداً من المواطنين الأثرياء قاموا، خلال الفترة الممتدة بين 1992 و1994، بدفع مبالغ مالية ضخمة – تصل قيمتها بالقيمة الحالية إلى 100 ألف يورو – مقابل المشاركة في مواقع القنص التابعة للقوات الصربية فوق تلال سراييفو، حيث كان المدنيون تحت الحصار المستمر.

وتشير التحقيقات إلى أن “الأسعار” كانت تختلف بحسب الهدف: رجل، امرأة، وحتى طفل، في ممارسة تُجسد أبعاداً غير مسبوقة من الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي.

المدعون الإيطاليون يتعاملون مع القضية باعتبارها جريمة ضد الإنسانية، خاصة أن الحصار الذي استمر أكثر من ثلاث سنوات شهد عشرات آلاف الضحايا، وكان المدنيون فيه هدفاً للقنص اليومي من مواقع صربية متمركزة فوق المرتفعات.

الصحفي الذي فجّر الفضيحة

مقدم الشكوى هو الصحفي والكاتب المعروف أزيو غباتشني، وهو اسم له رصيد طويل في التحقيقات المتعلقة بالإرهاب والمافيا. غباتشني قال إن ما اكتشفه يمثل “شكلًا من أشكال الصيد البشري الممنهج”، يقوم به “أشخاص أثرياء لديهم هوس بالأسلحة ويرون الحرب ساحة ترفيه”.

وقد قدم غباتشني للمدعين ملفًا من 17 صفحة يحتوي على شهادات ووثائق، بينها شهادة ضابط استخبارات بوسني قال إنه اكتشف الظاهرة عام 1993، وأبلغ بها الاستخبارات الإيطالية حينذاك، لكن – لأسباب غير واضحة – لم يُفتح أي تحقيق رسمي في تلك الفترة. هذا العنصر يثير أسئلة ثقيلة حول التقصير المحتمل من جانب السلطات الإيطالية قبل 30 عامًا.

لماذا الآن؟

عودة القضية للواجهة جاءت بعد بث الفيلم الوثائقي “سفاري سراييفو” (2022)، والذي كشف أن “الصيادين” المزعومين لم يكونوا فقط من إيطاليا، بل من دول أخرى بينها روسيا والولايات المتحدة، وأن بعضهم كان يأتي من أجل “تجربة المتعة القاتلة” في بيئة حرب حقيقية.

مشاهد الفيلم أثارت في نفس الصحفي غباتشني أسئلة قديمة، فعاد للبحث والتقصّي، ليكتشف أن الملفات والشهادات التي رآها في التسعينيات لم تختف، وأن ضباطًا سابقين في استخبارات البوسنة أكدوا له أن الظاهرة كانت معروفة لديهم، لكن من دون أي توثيق رسمي يمكن تقديمه للعدالة.

تحقيق بقيادة وحدة مكافحة الإرهاب

المثير أن التحقيق تتولاه نيابة مكافحة الإرهاب في ميلانو، وهو ما يعكس خطورة الوقائع المحتملة. فالقضية – إذا ثبتت صحتها – قد لا تتعلق فقط بأفراد معزولين، بل بشبكات تنظيمية سهلت تنقل “السائحين القتلة” إلى جبهات قتال، وقد تكون مرتبطة بتجارة السلاح، أو حتى بتعاون غير مباشر مع أطراف في الصراع البوسني.

وتشير مصادر قضائية إلى أن الادعاء الإيطالي يدرس إمكانية تصنيف تلك الأفعال تحت إطار “الجرائم الدولية الجسيمة”، وربما التواصل مع محكمة الجنايات الدولية أو مع مكتب الادعاء في البوسنة لتبادل المعلومات.

تداعيات سياسية وأخلاقية

القضية لا تهز الوجدان الإيطالي فحسب، بل تفتح بابًا صعبًا أمام أوروبا كلها: ماذا لو ثبت أن مواطنين من دول ديمقراطية استغلوا حربًا أهلية لممارسة القتل للمتعة؟ وكيف ستُحاسب الدول التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد بعد مرور ثلاثة عقود؟ ثم هل بقي من تلك “الرحلات” صور أو تسجيلات أو مستندات تُظهر تورط أسماء بارزة؟

في إيطاليا، أعلن نواب برلمانيون من اليسار واليمين دعمهم الكامل للتحقيق، وطالب بعضهم بفتح لجنة برلمانية موازية تتولى مراجعة أي تقصير سابق من الاستخبارات الإيطالية، خصوصًا أن شهادة الضابط البوسني تشير إلى إبلاغ روما بالمعلومات في وقت الحرب، دون رد فعل واضح.

أما في البوسنة، فقد لاقت الأخبار صدى واسعاً، إذ أعادت للأذهان جرائم القنص التي كانت واحدة من أبشع أدوات الحرب. وبدأت منظمات حقوقية تطالب بفتح تحقيق دولي موازٍ، معتبرة أن “الوقت لا يسقط الجرائم ضد الإنسانية”.

هل تتسع القضية لتشمل دولًا أخرى؟

الفيلم الوثائقي والشكوى المقدمة يشيران إلى أن “السفاري القاتل” ربما كان ظاهرة أوسع من مجرد نشاط إيطالي. فإذا اتضحت الأدلة على وجود “سياحة القنص” لدى أثرياء من دول أخرى، فقد تتحول القضية إلى ملف دولي متعدد الأطراف، يضع أوروبا وأمريكا وروسيا أمام مسؤوليات تاريخية.

خاتمة

التحقيق الإيطالي فتح جرحًا عميقًا في تاريخ أوروبا ما بعد الحرب الباردة. فالقضية ليست مجرد اتهامات عابرة، بل احتمال وجود جرائم وحشية مورست بدافع الترفيه من قبل أشخاص استغلوا حربًا أهلية دامية.

وإذا أثبتت النيابة صحة المزاعم، فإن “سفاري القنّاصة” قد يتحول إلى أكبر فضيحة أخلاقية وقانونية في تاريخ إيطاليا الحديث، وإلى ملف قد يعيد صياغة سردية الحرب في البوسنة من جديد، ليس فقط كصراع دموي، بل كساحة مفتوحة لهواة القتل المدفوع.

اقرأ أيضًا : قمع قيس سعيّد يتجدّد: عائلة المعارض التونسي جوهر بن مبارك تؤكد تعرّضه للضرب داخل السجن