دخلت عقوبات أميركية جديدة على حكومة السودان حيز التنفيذ، بعدما أعلنت واشنطن أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية في حربه المستمرة ضد قوات الدعم السريع. 

وبينما علّلت الولايات المتحدة القرار بخرق اتفاقية الأسلحة الكيميائية، تشير أصابع الاتهام إلى دور محوري للوبي الإماراتي في واشنطن في الدفع نحو هذه العقوبات، كجزء من معركة النفوذ الخفية بين داعمي الطرفين في الحرب السودانية.

العقوبات التي أُعلنت رسميًا في السجل الفيدرالي الأميركي، تشمل تجميد صادرات الأسلحة والتمويل، ووقف جميع المساعدات الاقتصادية والتنموية، باستثناء الإغاثة الإنسانية والغذائية. ورغم إصدار بعض الإعفاءات “لضرورات تتعلق بالأمن القومي الأميركي”، فإن القرار يمثل تصعيدًا دبلوماسيًا كبيرًا في العلاقة المتأزمة أصلاً بين الخرطوم وواشنطن.

الأسلحة الكيميائية: الذريعة المثالية لعقاب مزدوج

تعود القصة إلى يناير الماضي، عندما كشفت صحيفة نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤولين أميركيين، أن الجيش السوداني استخدم غاز الكلور مرتين على الأقل في مناطق نائية. ووفق التحقيق، فإن هذه الهجمات أدت إلى حالات اختناق وموت، بسبب استنشاق الغاز الذي يُصنف ضمن الأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً. الخرطوم من جهتها نفت الاتهامات، معتبرة إياها “مزاعم بلا دليل”.

ويشير كثير من المتابعين إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تتهم فيها واشنطن الجيش السوداني باستخدام هذه الأسلحة. ففي عام 2016، قالت منظمة العفو الدولية إن القوات السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في دارفور، لكن لم تُفتح أي تحقيقات دولية. كما قصفت الولايات المتحدة عام 1998 مصنع الشفاء في الخرطوم، بذريعة تصنيعه مكونات كيميائية لتنظيم القاعدة، دون تقديم أدلة ملموسة، ما عزز قناعة كثيرين بأن العقوبات تُستخدم كأداة سياسية أكثر من كونها استجابة أخلاقية أو قانونية.

اللوبي الإماراتي.. يد خفية توجه القرار الأميركي

ورغم أن واشنطن تقدّم العقوبات على أنها نابعة من التزامها الأخلاقي تجاه حقوق الإنسان، إلا أن مصادر دبلوماسية أكدت أن اللوبي الإماراتي كان من أبرز المحرّكين لهذا القرار داخل أروقة الكونغرس ومراكز الضغط في العاصمة الأميركية.

فبينما تدعم أبوظبي بقوة قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وجدت في اتهام الجيش باستخدام أسلحة كيميائية فرصة ذهبية لتحجيم منافسها عبد الفتاح البرهان.

ويقول دبلوماسي غربي تحدث إن الإمارات تدير خيوط اللعبة في واشنطن منذ أشهر، عبر حملات دعائية واستعانة بشركات علاقات عامة أميركية مؤثرة، لتعزيز صورة حميدتي كـ”شريك في مكافحة الإرهاب”، مقابل شيطنة الجيش السوداني وإظهاره كمصدر تهديد إقليمي.

عقوبات متجددة.. وذاكرة طويلة من العداء

العقوبات الأميركية على السودان ليست جديدة. فمنذ أوائل التسعينيات، وُضعت الخرطوم على قائمة الدول الراعية للإرهاب، واستمرت العقوبات حتى بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019. وشهدت العلاقة تحسناً مؤقتاً، حيث رفعت واشنطن السودان من تلك القائمة عام 2020، وبدأت بعض برامج المساعدة الاقتصادية.

لكن عقب انقلاب 2021 الذي قاده البرهان ودقلو معًا، أعادت الولايات المتحدة فرض بعض العقوبات، وسرعان ما اتسعت مع اندلاع الحرب الأهلية بين الشريكين السابقين في أبريل 2023. وبحلول 2025، كانت واشنطن قد فرضت عقوبات فردية على كل من البرهان وحميدتي، وسط فشل الوساطات الدولية، بما فيها جهود الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في إنهاء النزاع.

من يدفع الثمن؟.. المدنيون وحدهم

كالعادة، لم يكن المستهدف بالعقوبات هو الطبقة السياسية أو العسكرية فقط، بل الشعب السوداني الذي يدفع الثمن الأكبر. فمع وقف معظم المساعدات الأميركية، تزداد الأوضاع الإنسانية سوءًا، في بلد يعاني من واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، وفق وصف الأمم المتحدة. ويواجه أكثر من 10 ملايين سوداني خطر المجاعة، فيما نزح الملايين من ديارهم.

في عام 2024، كانت الولايات المتحدة أكبر مانح إنساني للسودان، بنسبة 44.4% من خطة الاستجابة الأممية. لكن مع سياسة تقشفية أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخراً، خفضت واشنطن مساهمتها بنحو 80%. أما قيمة الصادرات الأميركية للسودان، فبلغت 56.6 مليون دولار في العام نفسه، ما يجعل وقفها ضربة إضافية لاقتصاد يترنح تحت وقع الحرب والانهيار.

وفيما تتحول البلاد إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، تزداد معاناة المدنيين، بينما يجمع كل من البرهان وحميدتي ثروات عبر شبكات تهريب الذهب والسلاح، ويستمر الدعم الإماراتي للدعم السريع، والسلاح المصري للجيش، في إطالة أمد حرب لا منتصر فيها.

خاتمة: حرب بالوكالة.. والعقوبات كسلاح سياسي

في نهاية المطاف، تمثل العقوبات الأميركية أداة سياسية أكثر من كونها استجابة أخلاقية أو قانونية، ويظهر ذلك بوضوح في التوقيت، والمضمون، والأطراف التي دفعت باتجاهها. وبينما تُعلن واشنطن حرصها على حقوق الإنسان في السودان، تغض الطرف عن دعم حلفائها الإقليميين لأطراف النزاع، وعلى رأسهم الإمارات. ومع دخول العقوبات حيز التنفيذ، تبدو الحرب السودانية وكأنها دخلت مرحلة جديدة من التدويل، يدفع ثمنها الأبرياء، ويقطف ثمارها تجار الحرب وصناع القرار في العواصم البعيدة.

اقرأ أيضًا :  معارك النيل الأزرق.. هل يفتح تقدم الجيش السوداني باب الحسم في الجنوب؟