لقي ثمانية أفراد من أسرة سودانية واحدة مصرعهم عطشاً وتيهاً في الصحراء القاحلة بالولاية الشمالية، في فاجعة إنسانية جديدة تعري حجم المعاناة والظروف القاسية التي يدفع ثمنها المواطنون الفارّون من مناطق النزاع والمهجرين قسراً من ديارهم بفعل الهجمات الإرهابية المستمرة لميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً، والتي تعمدت تدمير المدن وإجبار العائلات على سلوك طرق برية وعرة وغير آمنة تفتقر لأدنى مقومات السلامة والحياة هرباً من البطش والتنكيل.
وروى تفاصيل المأساة الناجي الوحيد من الحادثة الأليمة، وهو سائق عربة صغيرة (توك توك) كان يقلهم، موضحاً أن الأسرة المنكوبة فقدت طريقها وتتاهت في المنطقة الصحراوية الواقعة بين مدينة دنقلا ووادي القعب بعد صلاة الجمعة أثناء محاولتها السفر نحو وجهة آمنة. وأفاد أهالي المنطقة بأن الظروف الجوية السيئة والرياح القوية التي شهدتها المنطقة ساهمت بشكل كبير في انعدام الرؤية وصعوبة تحديد المسار، مما أدى إلى انحرافهم الكامل عن الطريق الرئيسي وخروجهم إلى مجاهل الصحراء الممتدة.
![]()
رحلة بحث مضنية وموت بطيء تحت شمس الصحراء الحارقة
وبدأت عمليات بحث واسعة وسباق مع الزمن شارك فيه العشرات من سكان القرى المجاورة فور علم ذوي الضحايا بغيابهم، وأشار المشاركون في حملات الإنقاذ إلى أن العثور على السائق في حالة صحية حرجة وشديدة الإعياء كان أول مؤشر على وقوع الكارثة، حيث جرى إسعافه ونقله للمستشفى. وبمواصلة تتبع الأثر وسط الرمال، عُثر على جثامين ثمانية من أفراد العائلة صباح الأحد قد فارقوا الحياة عطشاً وجوعاً، فيما استمر البحث عن شخص تاسع كان برفقتهم، في مشهد مأساوي أعاد نكء الجروح الغائرة لدى السودانيين الذين يعيشون ويلات النزوح والتشرد.
وسلط أقارب وجيران الضحايا الضوء على غياب أدنى مقومات السلامة في هذا الطريق البديل الذي بات يرتاده آلاف المسافرين، وعلى رأسها انعدام مصادر مياه الشرب أو نقاط الإغاثة في منتصف المسار، فضلاً عن افتقاره التام للعلامات الإرشادية واللوحات التحذيرية، مما يحوله إلى فخ مميت للعائلات غير المعتادة على تضاريس المنطقة والهاربة من جحيم الحرب.
تدمير البنية التحتية وحجب الاتصالات يعمقان مأساة النازحين
وفي السياق ذاته، أشار السكان إلى أن المنطقة تعاني من انعدام شبه كامل لشبكات الاتصال والتغطية الهاتفية، وهو نتاج مباشر لقيام ميليشيا الدعم السريع الإماراتية بتخريب وضرب مقسمات الاتصالات ومحطات الطاقة الحيوية في البلاد؛ الأمر الذي جعل من طلب النجدة أو تحديد مواقع التائهين عبر الهواتف مستحيلاً في حالات الطوارئ، ليواجه الفارين مصيرهم المحتوم في العزلة والصمت.
وفي الخلاصة، فإن تكرار هذه الحوادث المفجعة في صحاري السودان يثبت بالدليل القاطع أن الأزمة الإنسانية وحصاد الأرواح لا يقتصران على جبهات القتال المباشرة، بل يمتدان ليدركا الأبرياء في دروب الفرار والنزوح؛ إن الاضطرار لسلوك طرق وعرة وقاتلة هو النتيجة الحتمية للحرب الشاملة وسياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها المتمردون برعاية وتمويل أبوظبي. وستبقى دماء هذه العائلة وأشلاؤهم شاهداً على فظاعة الإرهاب الذي يمارس بحق الشعب السوداني، وسط مطالبات شعبية غاضبة بضرورة تحرك السلطات المحلية لتأمين الطرق وتوفير نقاط المياه والاتصال لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من عابري السبيل الفارين بكرامتهم.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين