في خطوة تعكس تصاعد القلق الأوروبي من تحوّل دبي إلى مركز جاذب للمشبوهين وتجار المخدرات وغاسلي الأموال، أعلن وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان أنه طلب من السلطات الإماراتية تسليم 15 من كبار مهربي المخدرات الفرنسيين المطلوبين للعدالة. 

وقال دارمانان إن هذه الأسماء على صلة مباشرة بشبكات إجرامية تعمل على تمويل العنف في المدن الفرنسية، وإن بعضهم كوّن ثروات ضخمة داخل الإمارات، خصوصاً في دبي، التي باتت معروفة لدى أجهزة مكافحة الجريمة كـ”جنة آمنة” للهاربين.

زيارة فرنسية مشحونة بالأسئلة: لماذا دبي؟

دارمانان الذي أجرى زيارة استمرت يومين للإمارات، أكد أنه سلّم المسؤولين الإماراتيين لائحة بأسماء المطلوبين. الزيارة، كما أكد، جاءت “مخصصة بالكامل لمكافحة الاتجار بالمخدرات”. لكن خلف العناوين الرسمية، يدور في الأوساط الفرنسية حديث واضح عن عجز أوروبا عن ملاحقة رؤوس العصابات التي تفرّ إلى دبي، حيث يجدون بيئة اقتصادية ومصرفية تسمح لهم بسهولة بإخفاء الأموال، شراء العقارات نقداً، نقل الأصول عبر العملات المشفرة، وتأسيس شركات واجهة دون تدقيق فعلي.

ولفت الوزير الفرنسي إلى أنه “منذ بداية العام، تم توقيف 14 من كبار مهربي المخدرات ثم تسليمهم إلى فرنسا”، لكنه أشار بوضوح إلى أن الأعداد الباقية في الإمارات أكبر، وثرواتهم ضخمة، ونفوذهم يتوسع، ما يستدعي – بحسب تعبيره – “تكثيف الضغوط” على حكومة أبوظبي.

أموال المخدرات تتحول إلى أبراج فاخرة

بحسب دارمانان، أسهمت الضغوط الفرنسية في قيام السلطات الإماراتية بمصادرة نحو 40 شقة فاخرة، ضمن قائمة ممتلكات تقدر بعشرات ملايين اليوروهات، بينها فيلات في مشاريع فخمة. معظم هذه العقارات – وفق المعلومات الفرنسية – تم شراؤها نقداً أو عبر العملات المشفرة، وهو مؤشر على تسهيلات واضحة لغسيل الأموال.

هذا النمط من التحويلات المشبوهة ليس جديداً في دبي؛ فملفات أوروبية وأمريكية سابقة تحدثت عن أن المدينة أصبحت خلال العقد الأخير البوابة الأكثر جذباً للمال القذر، سواء أتى من تهريب المخدرات أو الاتجار بالبشر أو الرشاوى السياسية.

ويقول خبراء مكافحة المخدرات في باريس إن المهربين يفضلون دبي لثلاثة أسباب:

  1. ضعف الرقابة على حركة الأموال واعتماد دبي على نظام مالي مرن يسمح بالتعاملات النقدية الضخمة.

  2. سهولة تسجيل الشركات الوهمية التي تُستخدم كغطاء لتحويل الأموال.

  3. غياب الإرادة السياسية لدى حكومة محمد بن زايد في ملاحقة كل المطلوبين، خصوصاً إذا كانوا يحملون أموالاً تساهم في تنشيط السوق العقارية.

اغتيال مهدي كساسي يشعل الجدل في فرنسا

تأتي زيارة دارمانان في لحظة حساسة تشهد فيها فرنسا جدلاً محتدماً حول فشل سياسات مكافحة المخدرات، بعد اغتيال مهدي كساسي في مرسيليا منتصف نوفمبر. كساسي هو شقيق ناشط معروف بمكافحة الاتجار بالمخدرات، وقد أثار مقتله غضباً شعبياً واحتجاجات في الأحياء التي تواجه عنف العصابات.

الشارع الفرنسي بات يعتقد أن رؤوس الجريمة المنظمة غير موجودة داخل فرنسا بل في دبي، وأن التعامل مع شبكات المخدرات لم يعد ممكناً دون ضرب “الأوكار المالية” التي يختبئ فيها قادة العصابات.

دارمانان لخص هذا التحول بالقول: “أمن فرنسا يُحسم أيضاً في الإمارات”، مشدداً على ضرورة ضرب الشبكات “في صميم مصالحها المالية على المستوى الدولي”.

دبي: من مركز سياحي إلى مأوى للهرب من العدالة

تحول دبي إلى ملاذ للهاربين ليس مجرد اتهام سياسي؛ بل بات ملفاً دولياً موثقاً. خلال السنوات الأخيرة:

  • ظهرت تقارير أوروبية تؤكد وجود عشرات الهاربين من بلجيكا وهولندا وإيطاليا في دبي.

  • نشرت تحقيقات استقصائية تكشف أن بعض أخطر شبكات الكوكايين في أوروبا تُدار من شقق فاخرة في “مرسى دبي”.

  • تمكن قادة عصابات معروفة مثل “ملائكة الموت” و”كامورا” من تأسيس واجهات اقتصادية بالإمارات لسنوات قبل اعتقالهم.

وبرأي محللين أوروبيين، فإن المشكلة ليست في قدرة الإمارات على اعتقال المطلوبين – فهي تمتلك الأجهزة والإمكانيات – بل في وجود بنية اقتصادية كاملة تستفيد من الأموال القذرة. العقارات تُباع نقداً، الشركات تُفتح خلال يوم واحد، والرقابة على العملات المشفرة محدودة، مما يجعل دبي منصة مثالية لتهريب الثروات وغسلها.

ماكرون: المعركة ضد المخدرات يجب أن تُدار كمعركة ضد الإرهاب

في باريس، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون خلال اجتماع طارئ في الإليزيه إلى اعتماد استراتيجية مشابهة لتلك التي استخدمت ضد الإرهاب، عبر ملاحقة الشبكات “ككيانات دولية”، وليس كعصابات محلية فقط. وتأتي إشارته الواضحة إلى الإمارات باعتبارها الحلقة الأخطر في سلسلة التمويل.

ويرى مراقبون أن فرنسا، ومعها بلدان أوروبية أخرى، قد تنتقل قريباً إلى مستوى غير مسبوق من الضغط على أبوظبي، خاصة بعد تزايد الأصوات التي تتهم حكومة محمد بن زايد بـ”تسهيل غسيل الأموال” والتغاضي عن هروب رؤوس العصابات الدولية.

ختام: معركة مفتوحة بين باريس ودبي

لا تبدو زيارة دارمانان الأخيرة مجرد جولة دبلوماسية؛ بل بداية مواجهة مفتوحة. ففرنسا تعتبر أنّ جزءاً كبيراً من حربها ضد المخدرات يُدار من دبي، وأن استمرار الإمارات في توفير بيئة مرنة للهاربين يقوّض الأمن الأوروبي بأكمله.

وبينما تروج الإمارات لصورتها كدولة “آمنة ومتطورة”، فإن الوقائع الدولية تشير إلى الوجه الآخر:
دبي باتت واحدة من أهم محميات الأموال القذرة في العالم، وملاذاً للهاربين الذين راكموا ثروات طائلة تحت مظلة حكومة بن زايد.

اقرأ أيضًا : الاحتلال ينهب 20 ألف قطعة أثرية من غزة.. جريمة جديدة لطمس الذاكرة الفلسطينية