في مثل هذا اليوم من عام 2013، خرجت حشود إلى الميادين بدعوات إعلامية موجهة، وتخطيط مسبق من الدولة العميقة، وبدعم سخي من السعودية والإمارات، للمطالبة بإنهاء حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، بذريعة تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وبينما صدّق كثيرون أن التظاهرات ستفتح باب الإصلاح، كانت الحقيقة أن ما تلاها شكّل أعوامًا من التدهور المتسارع، انتهى بإفقار الدولة والمجتمع، وتدمير الطبقة الوسطى، وتقييد الحريات، وتسليم البلاد لسلطة عسكرية مطلقة.
بعد 12 عامًا، لم يعد السؤال عن جدوى تلك التظاهرات خافيًا، بل أصبح واضحًا لدى الجميع أن مصر دفعت ثمنًا فادحًا، على المستويين الاقتصادي والسياسي، حيث انهارت العملة، وتضاعفت الديون، وأُغلقت سبل الحريات، وامتلأت السجون، وساد الإحباط العام، في واحدة من أحلك الفترات في التاريخ المصري الحديث.

اقتصاد في انهيار.. وأرواح تدفع الثمن
حادثة مصرع 19 فتاة على طريق الإقليمي خلال توجههن لجني العنب مقابل 130 جنيهًا في اليوم ليست حادثًا عابرًا، بل صورة فادحة لما آلت إليه مصر بعد “30 يونيو”. بنات صغيرات من قرى المنوفية يذهبن إلى الموت تحت وطأة الفقر، في طريق شقّه السيسي وأُنجز على عجل وافتتحه للتفاخر، قبل أن يتحوّل إلى مصدر دائم للمآسي.
ترافقت هذه الحادثة مع كارثة أخرى على الطريق ذاته أودت بحياة 9 أشخاص قبلاً، و18 شخصًا في 2020، في دلالة على الإهمال المزمن. وتُظهر هذه الحوادث أن المصريين لا يدفعون فقط من لقمة عيشهم، بل من دمائهم أيضًا، نتيجة السياسات الحكومية التي تفاضل بين مشاريع استعراضية وعقود للبنية التحتية لا تراعي الأمان البشري.
في المقابل، يتحدث إعلام السلطة عن رفع الأجور، من 700 إلى 7000 جنيه خلال 12 عامًا. ولكن الحقيقة الصادمة أن الجنيه المصري انهار من 7 إلى أكثر من 50 مقابل الدولار، ما يعني أن الحد الأدنى للأجور انخفض فعليًا من 170 دولارًا عام 2014 إلى 140 دولارًا في 2025، أي فقد العامل البسيط ما لا يقل عن 30 دولارًا من دخله، فيما ارتفعت تكلفة المعيشة أكثر من خمسة أضعاف.
تضخمت أسعار الدواء عدة مرات، وفاقت الزيادات في المرتبات، وتوالت قرارات تعويم الجنيه (4 مرات) التي ضربت القوة الشرائية للمواطن، بينما تضاعف الدين الخارجي أربع مرات، من 43 مليارًا عام 2013 إلى أكثر من 155 مليار دولار في 2025.
قمع سياسي وإفقار ممنهج واستسلام خارجي
“30 يونيو” لم تكن فقط بوابة الانهيار الاقتصادي، بل لحظة الانقضاض على التجربة الديمقراطية الوليدة. منذ ذلك التاريخ، شهدت مصر اعتقال الآلاف، وحل الأحزاب والجمعيات الأهلية، وإغلاق المجال العام، وسط صدور قوانين قمعية (مثل القانون 70 لعام 2017 و149 لعام 2019) لتقييد العمل المدني.
أُسكتت كل الأصوات المعارضة، وتلاشت حرية الصحافة، وتحولت النقابات إلى أذرع تابعة للأمن. كل هذا تزامن مع تراجع مصر في مؤشرات الشفافية الدولية، إذ تراجعت من المرتبة 114 إلى 130 في مؤشر مدركات الفساد بين 2013 و2024، مما يعكس حجم الفساد المستشري وغياب الرقابة والمحاسبة.
أما خارجيًا، فقد فقدت مصر وزنها الإقليمي. أُفرغت القضية الفلسطينية من مضمونها في الخطاب الرسمي، وتم التفريط في حصة مصر من مياه النيل بعد توقيع “اتفاقية المبادئ” مع إثيوبيا، بينما تحولت البلاد إلى ساحة نفوذ مفتوحة للإمارات، التي باتت تتحكم بأسعار الأسمدة والمواد الزراعية، بعد أن استحوذت على مصانع إنتاجها بدعم من نظام السيسي.
مصر بين التهميش والانتحار الجماعي
يؤكد خبراء أن سياسات ما بعد “30 يونيو” ليست مجرد أخطاء، بل استراتيجية ممنهجة لتجريف وعي المصريين وتحويلهم إلى تابعين، يعيشون في قلق دائم، ويفقدون القدرة على المطالبة بحقوقهم. يقول الباحث محمد فخري إن المصريين سُحقوا اقتصاديًا، وهُمشوا اجتماعيًا وسياسيًا، حتى باتوا يعانون من الإفقار، وبيع أصول الدولة، وتضييق الأفق السياسي إلى أقصى حد.
أما الاقتصادي أحمد جاد، فيؤكد أن الإمارات والسعودية مولتا هذا الانقلاب خوفًا على عروشهما، وكانت النتيجة مئات الآلاف من المعتقلين، وشهداء المجازر، وتفكك المجتمع، وضياع الطبقة المتوسطة. وأضاف أن النظام حوّل المشروعات القومية إلى وسائل لثراء الجنرالات، مثل العاصمة الإدارية ومزارع الجيش السمكية، على حساب احتياجات المواطنين الأساسية.
شهدت مصر خلال سنوات السيسي مئات حالات الانتحار، جراء القهر الاقتصادي والنفسي، من بينها مأساة الأم التي خنقت أبناءها الثلاثة في الشروق هذا الشهر، بعدما لم تجد ما تطعمهم، وواقعة الأب الذي ذبح أبناءه في شبرا، وأخرى للمهندس الشاب الذي انتحر من أعلى برج القاهرة بعد أن ضاقت به الحياة.
خاتمة: بين الظلم والغضب الشعبي المكبوت
الذكرى الـ12 لـ”30 يونيو” ليست مجرد مناسبة تمرّ، بل لحظة لتقييم الكارثة التي حلّت بمصر نتيجة الانقلاب على إرادة الشعب. وبين إعلام يحتفل بسياسات “القائد المُلهم”، وواقع مرير تكشفه دموع الأمهات على الأرصفة، وأجساد الفقراء تحت عجلات الحافلات، تتضح الصورة: شعب جائع، مهمّش، محاصر بالديون، ممنوع من الكلام، يُدفع إلى اليأس.
لقد دفع المصريون ثمنا باهظا منذ ذلك اليوم المشؤوم، ليس فقط بخسارة أول تجربة ديمقراطية، بل بخسارة الأمل ذاته، وبدولة تحولت من حلم النهضة إلى كابوس الخوف والفساد والفقر. لكن التاريخ لا يرحم، وكما أظهر الشعب إرادته في يناير، فإنه لا بد أن ينهض من جديد، ذات يوم، ليحاسب من خانوه وسرقوا حريته.
اقرأ أيضًا : “الدعاء أصبح جريمة”.. اقتحام مسجد في عدن واختطاف إمامه يهز اليمن: غزة تفضح قمع الانتقالي