في مشهد صادم، استيقظ المصريون على خبر مأساوي مفاده وفاة 19 فتاة، بينهن طالبات جامعيات وعروس كانت تستعد لزفافها، إثر انهيار جزء من الطريق الإقليمي الدائري الذي افتتحه عبد الفتاح السيسي قبل 6 سنوات. الفتيات كنّ عائدات من العمل في مزارع العنب بمنطقة بلبيس، قبل أن تنقلب بهن المركبة داخل حفرة عميقة ناجمة عن هبوط مفاجئ في الطريق الذي أنفقت عليه الدولة 9 مليارات جنيه، وتديره شركة تابعة للجيش.
الحادثة لم تكن الأولى، إذ تشير الإحصائيات إلى وقوع 63 حادثا مروعا على هذا الطريق خلال سنوات قليلة، حصدت أرواح نحو 116 شخصا وأصابت قرابة 470 آخرين. فما الذي أدى إلى تحويل ما يفترض أنه مشروع قومي إلى مقبرة جماعية؟ الإجابة تتكشف في طريقة إدارته وتنفيذه، والتي اعتمدت على “أوامر مباشرة” من السيسي، دون دراسة أو تخطيط أو رقابة.
الهبوط الأرضي الذي تسبب في الحادث، وغياب معايير الأمان واللوحات الإرشادية، وغياب التنسيق بين الجهات المشغّلة، كلها مؤشرات على كارثة بنيوية. مهندسون متخصصون أكدوا أن القوس الشمالي من الطريق، الذي نُفذ على عجل عبر شركات تابعة للجيش أو متعاقدة معه من الباطن، لم يراعِ معايير التربة أو قوة الرصيف، ما جعله عرضة للانهيار، خاصة في فترات الأمطار أو الضغط المروري.

قرارات مرتجلة.. كيف تؤدي الأوامر العلنية إلى الكوارث؟
حادثة الطريق الإقليمي تعيدنا إلى نهج متكرر يعتمده السيسي منذ توليه الحكم: إصدار قرارات فورية من خلف الميكروفونات، دون دراسات جدوى، أو مشاورات فنية، أو مناقصات شفافة. في أكثر من مناسبة، وخلال افتتاحات حكومية، فاجأ السيسي الوزراء بمطالبات عاجلة بتنفيذ مشروعات ضخمة، حتى لو تطلب الأمر تخفيض الميزانيات أو تجاوز الإجراءات القانونية.
واحدة من أشهر الوقائع كانت حينما طالب السيسي أحد المقاولين، أمام الكاميرات، ببناء جسر “دشنا” خلال عام واحد فقط، مقابل صرف 25% من التكلفة فقط، مما أثار سخرية المصريين على مواقع التواصل، وتساؤلات حول جدية إدارة المال العام في مصر.
هذا النهج في الإسناد المباشر تكرر مع مشاريع مثل تفريعة قناة السويس (التي كلفت 64 مليار جنيه ولم تحقق عائداتها الموعودة)، والعاصمة الإدارية الجديدة (بتكلفة 59 مليار دولار)، والقطار الكهربائي والمونوريل (بتكلفة 570 مليار جنيه)، جميعها جرى تنفيذها دون طرح مناقصات شفافة، وبشركات تابعة للجيش، وسط تحذيرات من خبراء اقتصاد من “تورط مصر في ديون غير منتجة”.
وفق بيانات مشروع موازنة 2025/2026، فإن الدولة ملتزمة بسداد فوائد وأقساط ديون تبلغ 4382.6 مليار جنيه، أي ما يعادل 64.8% من استخدامات الموازنة، وهي أرقام تعكس حجم الفاتورة الباهظة التي تتكبدها الأجيال القادمة بسبب مغامرات السيسي الاقتصادية.
من الإهمال إلى الإجرام.. دماء المصريين مقابل الدعاية والمكاسب
في رأي الكثير من المراقبين، لا يمكن وصف ما يحدث إلا بكونه “إجرام اقتصادي وبشري”، إذ تحوّلت مشروعات يفترض بها أن تحقّق التنمية إلى أدوات لنهب المال العام وتلميع صورة النظام. السيسي لم يكتفِ بتوسيع دور الجيش الاقتصادي، بل أتاح له السيطرة شبه الكاملة على قطاع الإنشاءات، ما أدى إلى تهميش القطاع الخاص، وخلق اقتصاد غير تنافسي.
الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، أكد أن قرار إسناد المشروعات بالأمر المباشر كان سببًا رئيسيًا في الكارثة، مشيرًا إلى أنه تم تنفيذ الطريق على أرض زراعية دون تمهيد سليم، ودون دراسة للحمولات أو نوعية التربة، في محاولة لإنهائه بسرعة بناءً على توجيهات رئاسية.
أما الكاتب والمحلل السياسي أحمد حسن بكر، فذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث وصف طرق السيسي بأنها “في صلابة البسكويت”، بسبب ضعف الخامات وسرعة التنفيذ، متهماً وزارة النقل بالاستمرار في التعامل مع نفس الشركات الرديئة، متسائلًا: “هل أصبحت الطرق مجرد وسيلة لتربّح أفراد بعينهم على حساب أرواح المصريين؟”.
التناقض الصارخ بين ما يُعلن من مشروعات كبرى وواقع المصريين، يتجلى في غياب الخدمات الأساسية، وانعدام الشفافية، وسقوط القتلى على طرق أنفقت عليها المليارات. ففي حين تتحدث الحكومة عن تطوير قطاع النقل بـ530 مليار جنيه، فإن الطرق تنهار، والحوادث تتكرر، والضحايا يُعدّون بالآلاف.
ولعلّ أكثر ما يثير الحزن، أن أهالي الضحايا لا يجدون عدالة ولا مساءلة، بينما الإعلام الرسمي يستمر في تسويق الإنجازات الوهمية، والقيادة السياسية تتهرب من المسؤولية، وتصر على تحميل المواطنين، أو “القدر”، نتائج قراراتها.
النهاية المفتوحة.. من يحاسب الجنرال؟
بينما تتجه الأنظار نحو الحكومة لمحاسبة المسؤولين عن هذه المأساة، يبقى السؤال الأهم: من سيحاسب الجنرال؟ من يوقف نزيف الأرواح والأموال؟ في دولة تحوّلت فيها المؤسسات إلى كيانات بيروقراطية خاضعة لتعليمات فردية، ومشروعات إلى أدوات دعائية، لا يمكن للعدالة أن تتحقق دون إرادة سياسية، ومجتمع مدني قوي، وإعلام حر يفضح لا يُبرر.
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل طرق السيسي تحصد الأرواح، وتُهدَر الأموال، في مشهد يعكس مأساة وطن رهينة لقرارات فردية، ومصير أمة ضحية لمشروع استبدادي يرتدي قناع التنمية.
اقرأ أيضًا : كارثة صحية جديدة في غزة.. الحمى الشوكية تفتك بالأطفال وسط حصار خانق