تغيير حجم الخط ع ع ع

 

مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، وجدت إسرائيل نفسها في معضلة سياسية. ومع تظاهر الآلاف من الإسرائيليين لدعم أوكرانيا، ظل موقف الحكومة الإسرائيلية من الأزمة متناقضا.

يتم تفسير هذا الموقف الوقيف على أنه جهد متعمد داخل الحكومة للحفاظ على علاقات حاسمة مع روسيا دون المساس بالتزامات إسرائيل تجاه حلفائها الغربيين.

انفصل وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لبيد، الذي تحدث في البداية عن أوكرانيا فقط من حيث “السلامة الإقليمية” دون ذكر روسيا، عن الأصوات السلبية داخل حكومته بعد فترة وجيزة، لكنه حافظ على لهجة حذرة بشأن الأزمة.

وقال إن “الهجوم الروسي انتهاك خطير للنظام الدولي”، وتابع موضحًا أن “إسرائيل لديها علاقات جيدة مع كلا الجانبين”.

دفع بيان لبيد الحازم رئيس الوزراء نفتالي بينيت في وقت لاحق من ذلك اليوم إلى إعادة تأكيد سلبية حكومته، معربا عن تعاطفه مع أوكرانيا ولكن دون إدانة بوتين مباشرة، وقال إن “هذه أوقات صعبة ومأساوية. قلوبنا مع المدنيين في شرق أوكرانيا الذين وقعوا في هذا الوضع”.

وفي مكالمة هاتفية مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ورد أن بينيت رفض طلب كييف “للمساعدة الإسرائيلية في الأدوات العسكرية والأسلحة”.

كما طلب زيلينسكي من بينيت التوسط بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما ترجم إلى مكالمة هاتفية بين بوتين وبينيت. حيث قال الكرملين إن بوتين أخبر بينيت أن المصالح الأمنية لموسكو كانت من بين الشروط الرئيسية لتسوية الصراع.

وبعد أيام، أجرى بينيت محادثات في موسكو مع فلاديمير بوتين في محادثات قيل إنها استمرت ثلاث ساعات.

قال متحدث باسم الكرملين لوكالات الأنباء الروسية إنهم “يناقشون الوضع في أوكرانيا”، فيما يبدو أنه أول اجتماع مع زعيم أجنبي مكرس للصراع الأوكراني.

لم تؤت وساطة إسرائيل ثمارها بعد، كما حدث في عام 2014 عندما فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في التوسط في تسوية في صراع القرم، أو استخدام نفوذ إسرائيل في واشنطن لصالح أوكرانيا.

في الأمم المتحدة، رفضت إسرائيل في البداية الانضمام إلى إحدى وثمانين دولة استجابت لطلب إدارة بايدن بالمشاركة في قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يدين روسيا.

ولكن بعد بضعة أيام، على الرغم من أن الكثيرين في تل أبيب كانوا يضغطون من أجل الامتناع عن التصويت، صوتت حكومة بينيت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين الغزو الروسي، إلى جانب 140 دولة أخرى.

يقال إن التصويت جاء بعد أن حث المسؤولون الأمريكيون إسرائيل سرا على اتخاذ موقف أوضح بشأن أوكرانيا، وردا على تقارير وسائل الإعلام التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها والتي انتقدت موقف إسرائيل المتردد.

في نفس يوم التصويت، وبعد يوم واحد من سقوط صاروخ بالقرب من موقع تذكاري للمحرقة في كييف، نهى زيلينسكي اليهود في جميع أنحاء العالم بالتحدث نيابة عن أوكرانيا.

في حين تم تفسير ذلك على أنه محاولة القيادة الأوكرانية لاستخدام جميع منافذ الدعم الممكن، إلا أنه أشار بشكل خاص إلى أن أوكرانيا لا تزال تحتفظ بالأمل في المساعدة العسكرية الإسرائيلية، حتى بعد الرفض المتكرر. ويقدر الخبراء أن كييف مهتمة بشكل خاص بالحصول على نظام سبايك الإسرائيلي للأسلحة المضادة للدبابات. 

عندما بدأت القوات الروسية في الحشد على الحدود الأوكرانية، ورد أن إسرائيل اتخذت خطوة وقائية بإبلاغ دول البلطيق الثلاث -لاتفيا وليتوانيا وإستونيا- التي حصلت بالفعل على أنظمة أسلحة إسرائيلية، بأن تل أبيب ستمنع أي طلبات لتزويد أوكرانيا بالأسلحة الإسرائيلية.

 

تأثير سوريا

بالنسبة لتل أبيب، لا تزال الحرب الأوروبية الجديدة مصدر قلق على المدى البعيد، ووهذه الحرب تظل ضئيلة مقارنة بالتهديدات المتصورة على حدود إسرائيل المباشرة. لا يزال احتواء أنشطة إيران على رأس أولويات البلاد، وآخر شيء يريده المسؤولون في تل أبيب هو إغضاب روسيا وفقدان تفوقها التشغيلي في سوريا.

يبدو أن السياسيين الإسرائيليين يتفقون على أن العلاقات الإسرائيلية الروسية الحالية جيدة قدر الإمكان. ويعتبر هذا صحيح بمجرد وضعه على خلفية العلاقات غير المتوترة في كثير من الأحيان بين الاتحاد السوفييتي السابق والدولة اليهودية.

مع انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، عمق الاتحاد الروسي الذي ظهر حديثا علاقاته مع إسرائيل على المستويات المجتمعية والاقتصادية والسياسية.

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تم إلغاء أولوية التعاون الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية (لدى إسرائيل ما يقرب من 1.5 مليون مهاجر يهودي ناطق بالروسية)، وإن لم يكن لامركزيا، لصالح المصالح الأمنية والاستراتيجية المتداخلة للجانبين.

لم يؤد التدخل الروسي في سوريا في عام 2015 إلا إلى تعميق ما يسمى بأولوية السياسة الواقعية. واستفادت إسرائيل بشكل كبير من قدرة روسيا على تجزئة علاقاتها الخارجية للحفاظ على قنوات مفتوحة مع الدول على الرغم من التناقضات في بعض السياسات. في هذه المرحلة، كان الجيش الإسرائيلي قد شن بالفعل غارات جوية ضد حزب الله والأهداف الإيرانية في سوريا.

لتجنب الحوادث العسكرية غير المتعمدة، أنشأت إسرائيل وروسيا آلية لنزع فتيل الصراع، حيث استلزم ذلك مناقشات متكررة رفيعة المستوى بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي، وكذلك بين وزيري دفاع البلدين ورئيسي أجهزة الاستخبارات. هذا على النقيض من تركيا، والتي أدت أنشطتها في شمال سوريا إلى العديد من المواجهات العسكرية مع روسيا.

 

تأثير أوكرانيا

على الرغم من علاقاتها التعاونية مع روسيا، لا تزال إسرائيل أقرب حليف لواشنطن، ولا يزال الدعم الأمريكي الركيزة الأساسية في عقيدة الأمن القومي لإسرائيل، وهذا ما جعل الحفاظ على علاقة ثنائية إسرائيلية مع روسيا عرضة للضغوطات الخارجية.

في الأشهر الماضية، أرسلت موسكو إشارات غير مباشرة ولكنها قوية إلى إسرائيل، بدءا من توبيخ روسيا لانتهاك إسرائيل للمجال الجوي السوري، وفي الآونة الأخيرة، رفضت روسيا مطالب إسرائيل بوقف التشويش على إشارات GPS في المجال الجوي الإسرائيلي، والتي قالت موسكو إنها ضرورية لحماية القوات الروسية في قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية.

في أواخر يناير، قامت القوات الجوية الروسية والسورية بدوريات مشتركة على طول مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، وأوضحت وزارة الدفاع الروسية أن الدوريات “ستستمر على أساس منتظم”.

مع اقتراب الجيش الروسي من كييف، من المتوقع أن ترتفع التوترات الإسرائيلية الروسية. وتخشى تل أبيب أن يكون من الصعب الحفاظ على موقف غامض بشأن الغزو. 

 ذكرت القناة 12 الإسرائيلية، في حال تعمق الأزمة، أنه لن يكون أمام إسرائيل خيار سوى التصعيد بما يتجاوز نهج الإدانة الناعمة. وقالت القناة: “ستضطر إسرائيل إلى الانضمام إلى الجهود الغربية لفرض العقوبات”.

لكن هذا لن يكون بدون ثمن، فعلى الرغم من أن السفارة الروسية في تل أبيب طمأنت الإسرائيليين بأن التنسيق العسكري داخل سوريا سيستمر كالمعتاد، إلا أن الكثيرين في دوائر صنع القرار الإسرائيلية يشعرون بالخوف من أنه مع عزلة روسيا، ستصبح سياساتها الإقليمية أكثر حزما وعدوانية.

ستكون الضحية الرئيسية لموقف روسي جديد هي حرية إسرائيل في العمل في سوريا ضد إيران، فمن المحتمل أن تلجأ روسيا المعزولة إلى تعميق علاقاتها مع سوريا وتغيير “صداقتها المحجوزة” مع إيران إلى تحالف أكثر انفتاحا وذا مغزى.

من بين أمور أخرى، ستحاول روسيا التعويض عن الخسائر الناجمة عن العقوبات الاقتصادية من خلال الوفاء ببعض أو كل قائمة طهران لشراء الأسئلة الروسية. بسبب العقوبات، كانت قدرة إيران على تحديث ترسانتها، وخاصة قواتها الجوية العتيقة، صعبة للغاية.

من المحتمل أن يؤدي حصول طهران على مقاتلات SU-30 الروسية المرغوبة منذ فترة طويلة ونظام الدفاع الصاروخي أرض جو S-400، الذي امتنعت روسيا سابقا عن بيعه، إلى الإخلال بتوازن القوى بين تل أبيب وإيران.

تشير كسينيا ميتفيم ،من معهد السياسة الخارجية الإقليمية وعضو سابق في الكنيست، إلى أن هذه أخبار سيئة للغاية بالنسبة لإسرائيل، فقد تسعى إيران الأكثر حرية والأفضل تسليحا إلى إثبات وجودها بالقرب من الحدود الإسرائيلية.

قد لا تزال محاولة الولايات المتحدة لتسريع إبرام اتفاق نووي مع طهران لتحييد إيران والحد من التحالف الروسي الإيراني المحتمل تمثل حسابات صعبة لتل أبيب. حيث أعلن بينيت بشكل استباقي يوم الأحد أن إسرائيل لن تكون ملزمة بأي اتفاق نووي مع إيران.

قد يتغير الوضع أيضا بالنسبة لنظام الصواريخ السورية إس-300، الذي كان تحت السيطرة الروسية، والذي حد أيضًا من دفاع الجيش السوري ضد الهجمات الإسرائيلية المتكررة.

تشعر تل أبيب بالقلق أيضا من أن استعداء روسيا سيثير موجة من معاداة السامية ضد أوكرانيا والمجتمعات اليهودية الكبيرة في روسيا. من الناحية الأخرى، تهدف زيارة نفتالي بينيت السرية إلى موسكو يوم السبت، إلى ضمان سلامة هذه المجتمعات وربما تسهيل هجرتها إلى الأراضي المحتلة.

بمجرد اندلاع الحرب، دعت تل أبيب 200000 يهودي في أوكرانيا للهجرة إلى الأراضي المحتلة، ومن المتوقع أن يصل حوالي 10000 منهم في الأسابيع المقبلة، وقد أعلنت شعبة المستوطنات التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية عن خطط لبناء 1000 مبنى سكني لاستيعابهم.

يأتي ذلك وسط دعوات من خبراء عسكريين إسرائيليين لتعزيز الاعتماد العسكري الإسرائيلي على الذات، مشددين على كيف خذلت واشنطن أوكرانيا على الرغم من تعهدها في عام 1994 بمساعدة الأخيرة إذا تعرضت للهجوم.

قال يعقوب أميدرور، اللواء السابق ومستشار الأمن القومي لإسرائيل، إنه “عندما جاء اليوم، تركت أوكرانيا بمفردها”، مما يشير إلى أن وضع كل قرارات إسرائيل في سلة واشنطن قد لا يكون مسار العمل الحكيم.

في الواقع، قلبت حرب أوكرانيا طاولة الشطرنج، ما إذا سيكون لها تأثير على المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط لا يزال مسألة درجة وليست نوع.