شهدت مدن الضفة الغربية المحتلة، مساء أمس الثلاثاء، موجة غير مسبوقة من العنف المنظم الذي نفذه المستوطنون تحت أنظار جيش الاحتلال، في مشهد يؤكد تحوّلهم إلى أداة تنفيذية لسياسات التهجير والإبادة البطيئة بحق الفلسطينيين.
ففي طولكرم شمالي الضفة، شنّ مئات المستوطنين هجوما واسعاً على المنطقة الصناعية شرق المدينة قرب بلدة بيت ليد، ما أدى إلى اندلاع حرائق ضخمة التهمت أجزاءً من مصنع للألبان وعدة مركبات وشاحنات، وأدت إلى إصابة عدد من المواطنين بجروح متفاوتة.
وأفادت مصادر محلية أن المستوطنين، الذين قدموا من مستوطنات قريبة تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال، عمدوا إلى إضرام النيران في المنطقة الصناعية المعروفة باسم “اللدائن”، حيث احترقت أربع شاحنات تابعة لمصنع الألبان، إضافة إلى تدمير غرف معدنية وخيام في تجمع بدوي مجاور.
ورغم توسع الحرائق ومحاولات الدفاع المدني السيطرة عليها، فقد استمرت الاعتداءات لساعات، فيما اكتفى جنود الاحتلال بتأمين انسحاب المستوطنين دون اعتقال أي منهم. ويؤكد شهود عيان أن الجنود تدخلوا فقط لمنع الفلسطينيين من الدفاع عن ممتلكاتهم، في مشهد متكرر يعكس تواطؤاً ممنهجاً بين الجيش والمستوطنين.

هجمات متزامنة وعمليات اقتحام
لم يقتصر العنف على طولكرم، بل امتد إلى محافظات عدة في مشهد يُظهر تنسيقاً منظماً للهجمات.
ففي قلقيلية، اقتحمت قوات الاحتلال بلدة عزون وانتشرت في منطقة الصفحة، ونفذت عمليات تفتيش واعتقالات، بينما اندلعت مواجهات مع الشبان الذين رشقوا القوات بالحجارة وأشعلوا الإطارات احتجاجا على اقتحام البلدة.
وفي جنوب الضفة، اقتحم مستوطنون قرية أم الخير بمسافر يطا، وأطلقوا مواشيهم في أراضي الفلسطينيين، ما تسبب بتدمير مساحات واسعة من المزروعات. كما اعتقلت قوات الاحتلال ناشطا فلسطينيا في القرية، في وقت كانت فيه وحدات المستوطنين تهاجم ممتلكات الأهالي دون رادع.
وفي الخليل أيضًا، تعرضت سيدة فلسطينية للضرب المبرح على يد قوات الاحتلال عند مدخل مخيم الفوار، ما تسبب بإصابتها برضوض وكدمات نقلت على إثرها إلى المستشفى.
أما في طوباس، فقد اقتحمت آليات الاحتلال المدينة وانتشرت في شوارعها، فيما ألقى مقاومون قنبلة يدوية الصنع على دوريات الاحتلال في بلدة عقابا، مما أدى إلى اندلاع مواجهات أصيب خلالها فلسطيني بالرصاص الحي.
وفي بيت لحم، اعتقلت القوات الإسرائيلية فتى من بلدة تقوع بعد اقتحامها وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع، في حين شهدت نابلس اقتحاما لبلدة بيت فوريك واستيلاء على تسجيلات كاميرات المراقبة عقب عملية إطلاق نار قرب مستوطنة “إيتمار”.
وتزامنت هذه الاعتداءات مع إعلان مصادر طبية استشهاد الطفل أيسم معلا متأثراً بإصابته جراء استنشاق الغاز السام الذي أطلقه الجنود قبل أسابيع أثناء قمع قاطفي الزيتون قرب بلدة بيتا، ما يضيف فصلاً جديداً لسجل الاحتلال في استهداف الأطفال.
القدس.. استمرار اقتحام الأقصى وإبعاد الحراس
وفي القدس المحتلة، استمرت الاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى، حيث اقتحم أكثر من 200 مستوطن باحات المسجد بحماية شرطة الاحتلال، وفق معطيات دائرة الأوقاف الإسلامية.
وأدى المستوطنون صلوات وطقوساً تلمودية قرب قبة الصخرة المشرفة، في ظل إبعاد المصلين الفلسطينيين ومنعهم من الدخول أثناء فترات الاقتحام. كما اعتقلت شرطة الاحتلال حارس المسجد حمزة النبالي أثناء عمله، في خطوة اعتبرتها مؤسسات القدس رسالة تخويف لبقية العاملين في الأوقاف.
ويرى مراقبون أن تصاعد الاقتحامات يعكس إصرار حكومة الاحتلال على فرض التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، خصوصاً في ظل دعم وزراء متطرفين مثل إيتمار بن غفير لهذه الممارسات. ويؤكد هؤلاء أن ما يجري في القدس هو جزء من سياسة رسمية تهدف إلى تهويد المدينة وإفراغها من رموزها الإسلامية والمسيحية.
سياسة إحراق الأرض والمقدسات
تأتي هذه الاعتداءات في سياق تصاعد الهجمات اليومية للمستوطنين منذ اندلاع حرب الإبادة في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي رافقها تصعيد في الاعتقالات والاغتيالات الميدانية داخل الضفة الغربية.
وبحسب مؤسسات حقوقية فلسطينية، فقد أسفرت تلك الاعتداءات حتى اليوم عن استشهاد 1066 فلسطينيا، وإصابة أكثر من 10 آلاف آخرين، واعتقال نحو 20 ألف فلسطيني بينهم 1600 طفل، بينما تُسجّل عشرات الهجمات الأسبوعية على المزارعين والبلدات الواقعة قرب المستوطنات.
ويؤكد محللون أن الحرق المتعمد لمصنع الألبان في طولكرم يحمل دلالات اقتصادية واضحة، إذ يستهدف شلّ الصناعات المحلية الفلسطينية في إطار “سياسة الأرض المحروقة” التي تنفذها عصابات المستوطنين لفرض واقع استيطاني جديد، وتطويق أي وجود فلسطيني في المناطق المصنفة (ج).
كما يرى آخرون أن هذه الهجمات المتزامنة تمثل تصعيداً منظماً من الحكومة الإسرائيلية، التي تستخدم المستوطنين كواجهة مدنية لتوسيع السيطرة الميدانية، بينما يضطلع الجيش بدور الحامي والمشرّع لتلك الجرائم عبر الامتناع عن التدخل أو المشاركة المباشرة في بعض الحالات.
خاتمة: الضفة على صفيح ساخن
الهجمات الواسعة التي اجتاحت الضفة الغربية في الساعات الأخيرة ليست أحداثاً متفرقة، بل جزء من مشهد شامل يُعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة: ضفة تشتعل بالنيران، وجيش يقدم الغطاء، ومستوطنون يتحولون إلى ميليشيات عقائدية تنفذ أوامر التطهير العرقي على الأرض.
وفي ظل غياب ردع دولي فعّال، يزداد الخطر بأن تتحول هذه الاعتداءات إلى نمط يومي يقود نحو تفجير شامل في الضفة الغربية، لتصبح ساحة أخرى من ساحات حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني بأكمله، من غزة إلى القدس، ومن بيت ليد إلى بيتا.
اقرأ أيضًا : تحت قبضة القمع.. مصريون يعلنون تأسيس “لجنة الدفاع عن سجناء الرأي” في مواجهة نظام السيسي