في لحظة إقليمية مشحونة ومفتوحة على كل الاحتمالات، دخل زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مجددًا على خط المواجهة السياسية والدينية، مُعلناً تعبئة شعبية للتظاهر في عموم محافظات العراق تنديدًا بما أسماه “الإرهاب الأمريكي الصهيوني” و”التمدد الاستعماري المعادي للأديان والشعوب”، في موقف يؤكد إعادة التموضع العلني للتيار الصدري داخل الخارطة الإقليمية، وسط تسارع التحولات في المنطقة.
دعوة للتظاهر أم إنذار استراتيجي؟
ليست دعوة الصدر لتظاهرات ما بعد صلاة الجمعة مجرد تعبير عن الغضب الشعبي تجاه العدوان على فلسطين أو إيران أو لبنان، بل هي رسالة داخلية وخارجية مزدوجة:
-
داخليًا: الصدر يريد إعادة ترتيب مواقف تياره بوصفه الحامي لـ”الهوية العراقية” في وجه التدخلات الأجنبية، سواء كانت إسرائيلية أو أمريكية.
-
خارجيًا: الرسالة الأوضح موجهة لواشنطن وتل أبيب، مفادها أن العراق لن يكون ساحة مفتوحة لخرق سيادته أو أجوائه دون رد شعبي منظم.
التظاهرات المزمع تنظيمها في مراكز المحافظات العراقية قد تُعيد للذاكرة صور احتجاجات 2003-2005، حين قاد التيار الصدري موجة مقاومة للاحتلال الأمريكي، لكنها هذه المرة تأتي ضمن معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا، حيث تنفتح جبهات عدة من غزة إلى بيروت، ومن طهران إلى صنعاء.
موقف موازن بين إيران والسيادة الوطنية
مواقف الصدر تجاه إيران بدت أكثر ليونة مؤخرًا، إذ دعا إلى فتح “موكب آل الصدر” لتقديم المساعدات الإنسانية، ووجّه بتسهيل عبور الحجاج الإيرانيين، في لفتة إنسانية لكنها سياسية بامتياز.
وفي الوقت ذاته، لم يغفل الصدر عن التحذير من أن العراق “لا يحتمل مغامرات دموية جديدة”، في تلميح إلى ضرورة إبعاد البلاد عن حرب إقليمية بالوكالة، ما يعكس رغبته في الحفاظ على معادلة دقيقة بين نصرة المحور المناهض للولايات المتحدة من جهة، وصون السيادة العراقية من جهة أخرى.
بين الشعبوية والمناورة السياسية
مقتدى الصدر يُجيد التحرك في الفضاءات الرمادية، فمن جهة يؤكد “الانطلاق من الوازع الديني والإنساني”، ومن جهة أخرى يدعو إلى “تجاهل التصريحات المتهورة” التي تسعى لتأجيج الساحة العراقية، في إشارة غير مباشرة إلى قوى سياسية أخرى قد تستخدم الحدث الإيراني-الإسرائيلي لتصفية حسابات داخلية.
بهذا، يبدو أن الصدر يُحاول مجددًا احتكار خطاب “المرجعية الشعبية” غير الرسمية في العراق، وهو ما قد يُشكل عامل ضغط على الحكومة الحالية، خاصة إذا ما تكررت مشاهد التظاهرات وتوسعت رقعتها.
ماذا بعد؟
التصعيد بين إيران والاحتلال الإسرائيلي يُنذر بانفجار إقليمي قد لا يبقي العراق بمنأى، سواء بفعل الخروقات الجوية أو بفعل التداخل الطائفي والسياسي. وفي ظل هذا السياق، يُحاول الصدر الإمساك بخيوط التوازن:
-
تأييد المقاومة الإقليمية دون الانخراط في حرب شاملة.
-
انتقاد التدخلات الأمريكية والإسرائيلية دون الاصطفاف المطلق مع السياسات الإيرانية.
-
تقديم خطاب شعبي ووطني دون قطع العلاقة بـ الفاعلين الدوليين.
تظاهرات الجمعة المقبلة ستكون اختبارًا مزدوجًا:
-
لاختبار مدى قدرة التيار الصدري على التعبئة السياسية بعد شهور من الركود.
-
ولاختبار مدى هشاشة الوضع العراقي في حال تسارع الانفجار الإقليمي.
فهل يكون مقتدى الصدر طوق نجاة لسيادة العراق؟ أم مفتاحًا جديدًا لانقسام داخلي عنوانه: “من يقود الشارع ومن يحمي الدولة؟”
اقرأ أيضا: 9 أبريل… ذكرى سقوط بغداد: كيف غيّر الاحتلال الأمريكي وجه العراق والمنطقة؟