في إدانة دولية حادة تعكس حجم الانهيار الحقوقي وتغوّل السلطة التنفيذية في تونس، وصفت منظمة العفو الدولية الحكم الصادر عن محكمة تونسية بسجن المدافعة البارزة عن حقوق الإنسان، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة السابقة سهام بن سدرين، لمدة 25 عاماً، بأنه “تشويه صارخ للعدالة” و”ظلم فاحش”.

وأكدت المنظمة أن هذا الحكم الانتقامي القاسي يمثل عقاباً مباشراً لبن سدرين على تاريخها النضالي وعملها الحقوقي، ودورها المحوري في قيادة مسار العدالة الانتقالية وكشف فظائع الاستبداد في البلاد.

توظيف القضاء كسلاح في يد نظام قيس سعيد

وأوضحت أغنيس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أن من “المستفز” و”المخزي” أن تواجه بن سدرين حكماً بالسجن ربع قرن لمجرد دفاعها طيلة حياتها عن حقوق الإنسان؛ مشددة على أن هذه الإدانة الجائرة لا تستهدف شخصها فحسب، بل تشكل اعتداءً مباشراً ومقصوداً على منظومة العدالة الانتقالية، وحرماناً لضحايا انتهاكات العهود البائدة من حقهم في المساءلة والمحاسبة.

وأضافت كالامار أن التشهير بشخصية وطنية بارزة وتجريمها لأنها أدت واجبها القانوني والأخلاقي، يقدّم دليلاً صارخاً على المدى غير المسبوق الذي تراجعت إليه أوضاع الحريات في تونس. ويرى مراقبون أن هذا الحكم يجسّد بوضوح نهج الرئيس التونسي قيس سعيد في تصفية إرث الثورة وتفكيك مؤسساتها، وتحويل القضاء الجنائي إلى مفرمة وسلاح سياسي لتكميم أفواه المدافعين عن الحقوق، واستهداف المعارضة، وإغلاق الفضاء العام وتصفية كافة الأصوات المنتقدة لقراراته الأحادية منذ انقلابه على الدستور في يوليو/تموز 2021.

محاكمة سرية مسيسة وملاحقات انتقامية

ودانت محكمة تونس الابتدائية الحقوقية سهام بن سدرين بعد ملاحقتها في قضيتين منفصلتين على خلفية تقريرها الختامي وإدارتها لـ “هيئة الحقيقة والكرامة” –التي أُنشئت عقب انتفاضة 2011 للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والفساد المالي في الدولة بهدف جبر ضرر الضحايا–؛ حيث وُجهت إليها تهم مطبوخة شملت “الاحتيال” و”التزوير” و”استغلال الصفة للإضرار بالإدارة”.

وفي سلوك يعكس رغبة النظام في إخفاء معالم المحاكمة الصورية ومنع الرقابة الدولية:

  • حظر المراقبين الدوليين: منعت سلطات نظام قيس سعيد وفداً من مراقبي منظمة العفو الدولية من حضور جلستي المحاكمة يومي 18 و25 يونيو/حزيران الجاري، رغم أن الجلسات علنية بموجب القانون التونسي والدولي.
  • التنكيل القضائي الممتد: يعود استهداف بن سدرين إلى أغسطس/آب 2024 عندما جرى إيداعها الحبس الاحتياطي بقرار من قاضي التحقيق، قبل أن يُفرج عنها مؤقتاً في فبراير/شباط 2025 لتتواصل محاكمتها وتتوج بهذا الحكم المسيس والصادم.

تواطؤ أوروبي مخجل وصفقات على حساب الحريات

ولم تتوقف انتقادات العفو الدولية عند حدود النظام التونسي، بل امتدت لتهاجم بمرارة موقف الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي من تصفية الحريات في تونس؛ واعتبرت المنظمة أن هذا الحكم الجائر، وسلسلة الأحكام السابقة ضد الناشطين والسياسيين، يمثل “إدانة صريحة وأخلاقية لأوروبا”.

واتهمت أمنستي العواصم الغربية بالتقاعس والتواطؤ العمد، والصمت عن التنديد الفعال بانتهاكات حقوق الإنسان التي يقودها قيس سعيد، مقابل تمرير سياستها “المخجلة” الرامية لتصدير أزمة المهاجرين، والاعتماد على النظام التونسي كحارس لحدودها البحرية؛ وطالبت المنظمة الدول الأوروبية، بوصفها الشريك الدبلوماسي والاقتصادي الرئيس لتونس، بالخروج عن صمتها والضغط الفوري على السلطات لاحترام التزاماتها الدولية، وإلغاء الحكم الجائر بحق بن سدرين، وإنهاء حملة القمع الفاشية ضد المجتمع المدني.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال