أطلق حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي تحذيرًا شديد اللهجة من أن أي هدنة في السودان لا تتضمن بنودًا واضحة لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجارية “تعني عمليًا تقسيم السودان”، وفق تعبيره.

تصريحات مناوي، التي نشرها عبر منصة “إكس”، جاءت في سياق تدهور إنساني وأمني متسارع تشهده البلاد، بعد عام ونصف من اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي تتلقى – بحسب تقارير أممية وإعلامية – دعمًا ماليًا ولوجستيًا من الإمارات بقيادة محمد بن زايد.

مناوي دعا إلى انسحاب قوات الدعم السريع من المناطق السكنية والمستشفيات والمدن، واصفًا إياها بـ“الجنجويد والمرتزقة”، في إشارة إلى الطابع غير النظامي للقوات التي تتهم بارتكاب جرائم تطهير عرقي وانتهاكات واسعة في دارفور والفاشر. كما طالب بالإفراج عن جميع المختطفين، بمن فيهم الأطفال والنساء، وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية التي تحولت إلى ساحات قتال أو مناطق منكوبة.

يأتي هذا التحذير في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى دفع طرفي النزاع نحو هدنة إنسانية محدودة، نقل تفاصيلها مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية. غير أن مناوي يرى أن أي تسوية “لا تقوم على العدالة الانتقالية ولا تتعامل مع جذور الأزمة” ستكون بمثابة إعادة إنتاج للفوضى وتفكيك السودان إلى دويلات متناحرة.

نذر كارثة إنسانية جديدة

في موازاة التحذيرات السياسية، تزداد المعاناة الإنسانية في ولايات دارفور وكردفان والخرطوم. فقد أعلن مدير المكتب التنفيذي بمفوضية العون الإنساني في ولاية الخرطوم الفاضل مبارك أن أكثر من عشرة آلاف نازح وصلوا إلى الولاية خلال الأيام الماضية، نتيجة الهجمات المكثفة التي شنتها قوات الدعم السريع على مناطق متفرقة من شمال دارفور وشمال كردفان.

وأشار مبارك إلى أن سلطات الولاية تمكنت بالتعاون مع المجتمع المحلي من توفير دور إيواء مؤقتة في أربع مناطق رئيسية، إضافة إلى توزيع بعض المساعدات الغذائية العاجلة. ومع ذلك، فإن الوضع المعيشي للنازحين “كارثي”، خصوصًا مع بداية فصل الشتاء الذي يفاقم معاناة الأسر التي فرت دون مأوى أو بطانيات أو أدوية.

ودعا المسؤول السوداني المنظمات الدولية إلى تقديم دعم عاجل يشمل الغذاء والدواء ومواد النظافة، مؤكداً أن الأوضاع في معسكرات النزوح تفتقر إلى أدنى المقومات الإنسانية. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين داخليًا تجاوز 8 ملايين شخص منذ اندلاع الحرب، ما يجعل الأزمة السودانية من أكبر الكوارث الإنسانية في إفريقيا والعالم.

الجيش يتصدى للمسيّرات.. والاتهامات تتجه إلى أبوظبي

ميدانيًا، أعلن الجيش السوداني أن دفاعاته الجوية تصدت، خلال الساعات الماضية، لهجمات بطائرات مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع استهدفت مواقع في ولاية النيل الأزرق، بعد أن كثّفت الأخيرة هجماتها على مدن الأبيض والدمازين.

وأكدت مصادر عسكرية أن الدفاعات الأرضية أسقطت عدداً من المسيرات بعيدة المدى، كانت تُستخدم في قصف المناطق المأهولة بالسكان، ما أدى إلى خسائر كبيرة في ممتلكات المدنيين خلال الأيام الأخيرة.

ويأتي تصاعد استخدام المسيّرات ضمن مؤشرات على امتلاك الدعم السريع ترسانة تقنية متقدمة لا تتوفر عادة إلا للجيوش النظامية، وهو ما أعاد فتح ملف تورط أطراف إقليمية – وعلى رأسها الإمارات – في تسليح وتدريب هذه القوات.

فمنذ بداية الحرب، وُجّهت إلى أبوظبي اتهامات متكررة بتزويد قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي” بطائرات مسيّرة صينية الصنع وقطع غيار عبر شبكات تهريب من ليبيا وتشاد، في انتهاك صارخ لحظر السلاح المفروض على السودان.

ويرى محللون أن هذا الدعم يندرج ضمن سياسة “تفكيك النفوذ الشعبي والجيش الوطني” التي ينتهجها محمد بن زايد لإعادة هندسة موازين القوى في المنطقة لصالح أنظمة موالية له، على غرار ما فعله في اليمن وليبيا. فالمشهد السوداني بات – بحسب تعبير خبير الشؤون الإفريقية عبد الرحمن الأمين – “مسرحًا لتجارب بن زايد في إدارة الفوضى عبر الوكلاء المسلحين”.

جرائم ممنهجة وإفلات من العقاب

وفي السياق ذاته، اتهم وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السوداني، معتصم أحمد صالح، قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم “ممنهجة وواسعة النطاق” في مدينة الفاشر، تشمل عمليات قتل واغتصاب ونهب ومنع المدنيين من الفرار.

وأوضح الوزير، خلال مؤتمر صحفي، أن نحو 50 ألف نازح من الفاشر وصلوا إلى محلية الدبة بالولاية الشمالية، فيما منعت قوات الدعم السريع مئات الآلاف من مغادرة المدينة، واعتدت على من حاولوا الهروب نحو المناطق الآمنة.

وأشار صالح إلى أن هذه الجرائم تؤكد “أنه لا مكان لقوات الدعم السريع في الحياة السياسية السودانية”، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وفي هذا السياق، يتهم ناشطون سودانيون ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد بأنه الراعي الرئيسي لـ“آلة الحرب” في دارفور، سواء عبر الدعم المالي المباشر أو عبر شبكة من الشركات التي توفر الإمدادات والمعدات اللوجستية لقوات حميدتي. ويرى هؤلاء أن استمرار الحرب يخدم مصالح أبوظبي الاقتصادية في الذهب السوداني والموانئ على البحر الأحمر، إلى جانب رغبته في إضعاف الجيش الوطني الذي يعتبره عقبة أمام تمدده الإقليمي.

خلاصة المشهد

تتقاطع تحذيرات مناوي مع الوقائع الميدانية لتكشف عن خطر داهم يهدد وحدة السودان، في ظل استمرار جرائم الدعم السريع وتدفق السلاح والدعم المالي من الخارج.

وبينما يسعى المجتمع الدولي لفرض هدنة إنسانية محدودة، يبدو أن الأزمة أعمق من مجرد وقف إطلاق نار؛ إذ تتطلب معالجة جذرية تشمل محاسبة المتورطين، وفي مقدمتهم الداعمين الإقليميين مثل محمد بن زايد، الذي يواصل – بحسب مراقبين – إشعال الحرائق في إفريقيا تحت غطاء “الوساطة الإنسانية”، بينما يحصد مكاسب سياسية واقتصادية على أنقاض دول مدمرة.

اقرأ أيضًا : مذكرة تركية بحق نتنياهو.. أنقرة تتحدى الحصانة السياسية