في خطوة وُصفت بأنها تاريخية وجريئة في مسار العدالة الدولية تجاه الجرائم الإسرائيلية، أصدرت النيابة العامة التركية في إسطنبول، مساء الجمعة، مذكرة توقيف بحق 37 مشتبها فيهم من قادة الاحتلال الإسرائيلي، يتقدمهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ورئيس الأركان إيال زامير، بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
القرار الذي جاء بعد سلسلة من التحقيقات القانونية الموسعة داخل تركيا، يمثل أول تحرك من نوعه في العالم الإسلامي يصدر عن سلطة قضائية وطنية ضد قادة الاحتلال، في وقت ما زالت المحكمة الجنائية الدولية تتباطأ في إصدار قراراتها النهائية بشأن جرائم الحرب في غزة.
تستند المذكرة، وفق مصادر قضائية تركية، إلى المواد الخاصة بالإبادة الجماعية في القانون التركي رقم 5237، بالإضافة إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة والمعاقبة عليها لعام 1948، والتي تُعد تركيا من الدول الموقعة عليها، ما يمنحها صلاحية قضائية عالمية لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة أينما كانوا.
كما أوضحت النيابة أن التحقيقات استندت إلى أدلة موثقة من الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية حول المجازر، واستهداف المدنيين والمستشفيات والمدارس في غزة، ما يجعل التهم المسندة إلى القادة الإسرائيليين ذات أساس قانوني راسخ، لا مجرد موقف سياسي أو رمزي.

إشادة فلسطينية وموقف شعبي تركي داعم
رحّبت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بقرار النيابة التركية، واصفة إياه بأنه “تعبير صادق عن أصالة الشعب التركي وموقف قيادته المنحازة لقيم العدالة والإنسانية”، مؤكدة أن هذه الخطوة تعكس الأخوة التاريخية بين الشعبين الفلسطيني والتركي، وتشكل رسالة قوية إلى المجتمع الدولي الذي ما زال متواطئًا بالصمت تجاه المجازر في غزة.
ودعت الحركة الدول العربية والإسلامية إلى السير على خطى أنقرة بإطلاق مذكرات توقيف مماثلة، وممارسة الضغوط القانونية على المنظمات الدولية لتفعيل الولاية القضائية العالمية في ملاحقة قادة الاحتلال على جرائمهم ضد الإنسانية.
من جهتها، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي التركية موجة واسعة من الترحيب الشعبي بالقرار، حيث تصدّر وسم (#TürkiyeAdaletİçin – تركيا من أجل العدالة) المنصات خلال ساعات قليلة، واعتبره الناشطون خطوة نحو استعادة الدور الأخلاقي لتركيا في نصرة المظلومين ومحاسبة المجرمين.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعزز الصورة الإيجابية للحكومة التركية التي تبنّت خلال العامين الأخيرين خطابًا أكثر حدة تجاه الاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد مشاهد الدمار والمجازر التي خلّفتها الحرب على غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
إسرائيل في عزلة قانونية وسياسية متزايدة
تأتي مذكرة التوقيف التركية في وقت تعاني فيه إسرائيل من حصار سياسي ودبلوماسي متصاعد على خلفية استمرارها في عملياتها العسكرية رغم اتفاقات وقف إطلاق النار. فقد واجهت تل أبيب انتقادات واسعة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبدأت بعض الدول الغربية في تجميد صفقات السلاح أو مراجعة علاقاتها الدبلوماسية معها، بينما تصاعدت حملات المقاطعة الشعبية في العواصم الأوروبية.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 200 انتهاك لوقف إطلاق النار ارتكبتها قوات الاحتلال منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، شملت قصف أحياء سكنية، وتدمير بنى تحتية حيوية، واستهداف سيارات إسعاف وطواقم الدفاع المدني.
وقد خلّفت الحرب المستمرة على غزة 68 ألفًا و865 شهيدًا فلسطينيًا، و170 ألفًا و670 جريحًا، معظمهم من النساء والأطفال، وفق إحصاءات الأمم المتحدة. وتُقدَّر تكلفة إعادة إعمار القطاع بنحو 70 مليار دولار، بعد أن تحوّل أكثر من 70% من مبانيه إلى أنقاض.
ويرى خبراء أن استمرار الاحتلال في حربه وتجاهله قرارات الأمم المتحدة يضعه أمام عزلة قانونية دولية غير مسبوقة، خاصة مع تنامي الدعاوى القضائية أمام المحاكم الأوروبية والأفريقية والآسيوية، وتزايد الضغوط الشعبية في الغرب لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين.
ويؤكد مراقبون أن التحرك التركي قد يشجع دولًا أخرى على تبني الولاية القضائية العالمية، ما يعني إمكانية توقيف نتنياهو أو أحد قادته في حال دخولهم إلى أي من تلك الدول، كما حدث سابقًا مع مجرمي الحرب في يوغوسلافيا ورواندا.
أنقرة تتحدى ازدواجية العدالة الدولية
تُعتبر الخطوة التركية تحديًا مباشرًا لهيمنة الغرب على النظام القضائي الدولي، خاصة بعد الانتقادات الموجهة إلى المحكمة الجنائية الدولية باتهامها بازدواجية المعايير وتسييس العدالة، حيث تحركت بسرعة ضد روسيا في أوكرانيا، لكنها ظلت صامتة أمام المجازر الإسرائيلية في غزة.
ويقول محللون أتراك إن إصدار المذكرة ضد نتنياهو وقادته يمثل إعلانًا صريحًا بأن تركيا لن تنتظر المحكمة الجنائية الدولية، بل ستستخدم أدواتها القضائية الوطنية في مواجهة الإبادة الجماعية، مؤكدين أن العدالة ليست حكرًا على المؤسسات الغربية، وأن صمت العالم لا يلغي مسؤولية الدول الحرة عن الملاحقة القانونية للمجرمين.
كما يرى مراقبون أن المذكرة التركية ستضع العلاقات التركية الإسرائيلية أمام اختبار جديد، في ظل استمرار توتر العلاقات الدبلوماسية، ورفض أنقرة إعادة السفراء رغم الضغوط الأميركية، ما يشير إلى أن تركيا تمضي نحو تبني نهج تصعيدي محسوب ضد الاحتلال الإسرائيلي، يجمع بين القوة القانونية والدبلوماسية والإعلامية.
وفي المقابل، حاولت الحكومة الإسرائيلية التقليل من أهمية الخطوة، ووصفتها بأنها “دعائية”، لكن محللين قانونيين أشاروا إلى أن المذكرات التركية قابلة للتفعيل دوليًا عبر منظمة الإنتربول، في حال تم تبنيها رسميًا من القضاء التركي الأعلى.
خاتمة: نحو كسر الحصانة السياسية لمرتكبي الجرائم
تفتح المذكرة التركية الباب أمام مرحلة جديدة من الملاحقة القانونية لقادة الاحتلال الإسرائيلي، إذ لم تعد جرائم الإبادة محصورة في التقارير الأممية أو بيانات الإدانة، بل بدأت تتخذ شكلًا قانونيًا قابلًا للتنفيذ.
وبينما يواصل جيش الاحتلال فرض حصار خارجي خانق على غزة، يمنع دخول المساعدات ويغلق المعابر أمام الجرحى، يبدو أن العدالة الدولية بدأت تحاصر إسرائيل من الخارج أيضًا، عبر ملفات قانونية تتراكم في العواصم.
إنها معركة قانونية وأخلاقية تتجاوز الحدود، عنوانها أن الدم الفلسطيني لم يعد بلا ثمن، وأن زمن الإفلات من العقاب بدأ يقترب من نهايته.
اقرأ أيضًا : استمرار قصف لبنان وسط الصمت العربي