تشهد ولاية شمال دارفور، وتحديدًا مدينة الفاشر، موجة نزوح غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع،
حيث تتواصل حركة المدنيين الفارين من أتون القتال نحو الشمال.
فقد أكدت مصادر ميدانية وصول أكثر من 57 ألف نازح إلى مدينة الدبة شمال السودان، معظمهم من مدينتي الفاشر وبارا، في ظروف مأساوية تتخللها مشاهد صادمة لجثث ملقاة في الطرقات، وأسر مشتتة فقدت ذويها بين الدمار والحرائق.
ويروي النازحون قصصًا مؤلمة عن رحلات فرار محفوفة بالموت والجوع، حيث اضطر كثيرون للسير لأيام في العراء دون ماء أو غذاء، في وقتٍ تسابق فيه مبادرات محلية ومنظمات إنسانية الزمن لتوفير الحد الأدنى من المأوى والطعام.
لكن حجم الكارثة فاق قدرات الجميع، إذ إن المخيمات باتت مكتظة بعشرات الآلاف من العائلات، معظمها نساء وأطفال، وسط تحذيرات من تفشّي الأمراض وسوء التغذية.
اتهامات للدعم السريع بارتكاب مجازر وحرق الجثث
في ظل استمرار الفوضى، وجهت شبكة أطباء السودان اتهامات خطيرة لقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم حرب جديدة في مدينة الفاشر، بعد أن جمعت تلك القوات مئات الجثث من الشوارع والأحياء السكنية، ودفنت بعضها في مقابر جماعية، بينما أحرقت أخرى بالكامل لإخفاء الأدلة.
ووصفت الشبكة هذه الممارسات بأنها “فصل جديد من جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان”، مؤكدة أن ما جرى يمثل انتهاكًا صارخًا للأعراف الدولية والدينية التي تكفل للضحايا حق الدفن الكريم وتحرم التمثيل بالجثث.
كما حمّلت قيادة قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم، داعية المجتمع الدولي إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل حول الانتهاكات الجارية، ومشددة على أن ما يحدث في دارفور تجاوز حدود الكارثة الإنسانية إلى جريمة إبادة ممنهجة تستهدف الإنسان في حياته وكرامته.
وتأتي هذه التطورات بعد تقارير متزايدة عن دعم خارجي لتلك القوات، خصوصًا من الإمارات العربية المتحدة التي تتهمها منظمات حقوقية بتأجيج الصراع عبر تمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع.
فقد كشفت تقارير استقصائية خلال الأشهر الماضية عن شبكات نقل جوية سرية تديرها أبوظبي عبر دول أفريقية، تُستخدم لتهريب الأسلحة والذخائر إلى ميليشيات محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ما ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد المأساة الإنسانية في السودان.
تحذيرات دولية من مجاعة وشيكة
تؤكد منظمات الأمم المتحدة أن السودان يواجه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم اليوم.
فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، أودت الحرب بحياة ما لا يقل عن 40 ألف شخص، بينما نزح داخليًا ما بين 12 إلى 13 مليون شخص، أي نحو ربع سكان البلاد.
ويواجه نصف السكان انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي نتيجة انهيار البنية الزراعية وتعطل سلاسل الإمداد، إضافة إلى الحصار المفروض على المدن الكبرى مثل الفاشر ونيالا والأبيض.
تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، المدعوم من الأمم المتحدة، حذّر من أن 21 مليون سوداني يواجهون مستويات مرتفعة من الجوع، وأن نحو 30% من الأطفال دون الخامسة يعانون من سوء تغذية حاد، مع وجود أكثر من 6 ملايين شخص على شفا المجاعة في أكثر من 20 منطقة بالبلاد.
وتتوقع المنظمة استمرار تدهور الوضع حتى منتصف عام 2026 على الأقل، إذا لم يتم التوصل إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار يسمح بمرور المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وفي الوقت ذاته، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة فرار أكثر من 36 ألف مدني من شمال كردفان بسبب توسع رقعة القتال في دارفور، ما يعكس انتشار الأزمة إلى مناطق جديدة.
اغتيال الأطباء واستهداف الكوادر الإنسانية
لم تسلم الكوادر الطبية من آلة الحرب، إذ أدانت منظمة الصحة العالمية مقتل الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل في مدينة الفاشر على يد قوات الدعم السريع، واصفة الحادث بأنه جريمة مروّعة ضد الإنسانية.
وقال مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس في بيان رسمي:
“تنعى منظمة الصحة العالمية الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل وتطالب بوقف العنف ضد العاملين في مجال الرعاية الصحية… يجب أن تتوقف إراقة الدماء في السودان”.
كما نعت تنسيقية لجان مقاومة الفاشر الطبيب الراحل الذي أفنى حياته في خدمة أبناء مدينته خلال فترة الحصار، مؤكدة أنه ظل يقدم العلاج والمساعدة للجرحى والمحتاجين حتى اغتيل برصاص الدعم السريع.
حادثة إعدامه الميداني تمثل، وفق ناشطين، دليلًا على نهج ممنهج يستهدف تدمير المنظومة الصحية وإرهاب الكوادر الطبية، في محاولة لشلّ ما تبقى من مقاومة مدنية داخل المدن المحاصرة.
صمت دولي وتواطؤ إقليمي
تثير هذه الانتهاكات أسئلة ملحّة حول دور المجتمع الدولي، خصوصًا مع استمرار الصمت الغربي والعربي تجاه جرائم الإبادة في دارفور.
ويرى مراقبون أن الإمارات، التي تقدم نفسها وسيطًا في النزاعات الإقليمية، أصبحت طرفًا مباشرًا في إشعال الحرب عبر دعمها المالي والعسكري للدعم السريع، في إطار صراع نفوذ على موارد السودان، خاصة الذهب والمعادن.
ويحمّل ناشطون أبوظبي مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأزمة، معتبرين أن “أيدي الإمارات الملطخة بذهب دارفور تغذي ألسنة النار التي تلتهم المدنيين”.
وفي ظل استمرار القصف والتهجير الجماعي، تبقى دارفور اليوم شاهدًا على أكبر مأساة إنسانية في أفريقيا الحديثة، وسط تساؤلات مؤلمة: إلى متى سيبقى العالم يتفرج على نيران الحرب التي أشعلتها المصالح، وأجّجتها الإمارات، والتهمت معها كرامة الإنسان السوداني؟
اقرأ أيضًا : مسيّرات الميليشيا تهاجم الدمازين والفاشر تنزف بفعل نيران الحرب التي أججتها الإمارات