انتهت الجولة الأكثر خطورة في تاريخ المواجهة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، لكن ما لم ينتهِ هو سيل الأسئلة الثقيلة التي لا تزال تتدفق في ضمير الأمة، وتضع الجميع أمام مرآة الحقيقة المرة: لماذا فشلت هذه الجولة في تحقيق التغيير؟ ومن الذي فرّط؟ وأي ثمن سندفعه لاحقًا؟

غزة وحدها… مجددًا

كما في كل مرة، خرج الجميع من الميدان وبقيت غزة وحدها. وحدها تصرخ، تقاتل، تحاصر، وتجوع. بعد كل هذه السنوات من الحصار والعدوان، وبعد آلاف الشهداء والمجازر، لا تزال غزة وحدها على خطوط النار، بينما حلفاؤها المفترضون يتراجعون في لحظة الحسم أو يعقدون صفقات تضمن سلامة العروش وتديم هيبة الطغاة.

في الوقت الذي كانت فيه طائرات الاحتلال تمزق الأحياء السكنية، وتدفن العائلات بأكملها تحت الركام، كان كثير من من يُفترض أنهم حلفاء الدم والهدف، يرسلون إشارات ضبط النفس، أو يكتفون ببيانات “القلق” و”الدعوة للتهدئة”. لا يمكن لغزة أن تصمد إلى الأبد وحدها، ولا أن تحارب نيابة عن أمة كاملة بينما تُترك لمصيرها مرة بعد مرة.

إيران… تفوّت فرصة لا تُعوّض

مهما قيل عن القصف الإيراني وردّه المباشر، تبقى الحقيقة أن إيران فرّطت في لحظة ذهبية لا تتكرر. كانت تملك المشروعية الأخلاقية، والغضب الشعبي، والدعم السياسي من خصوم واشنطن، والتأييد الواسع في الشارع العربي، ثم… تراجعت عند الباب.

 كانت هناك فرصة لتغيير قواعد اللعبة، لتقييد الاحتلال إلى الأبد، لمسح جرائم الماضي في سوريا ولبنان والعراق ..  عبر موقف حاسم ينصر غزة وسوريا ولبنان والعراق في وقت واحد. لكنها اختارت الخطاب دون الفعل، الرد المحدود بدل الانتصار الكامل.

حجم ما أُتيح لإيران في هذه الجولة – من غطاء دولي ضمني، إلى لحظة إجماع شعبي نادرة – لم يكن ليتكرر قريبًا، لكنها أضاعت الفرصة. أخفقت في تحويل الرد إلى معادلة ردع، وبدلاً من استثمار اللحظة لتُغيّر صورتها التاريخية وتُطهّر سجلها الدموي السابق، اكتفت بإطلاق الصواريخ بلا هدف حقيقي، وكأن دعوات السوريات والعراقيات واللبنانيات الثكلى حالت بينها وبين الشرف والتوفيق.

العرب في قبضة الاحتلال

فيما كانت الصواريخ تتساقط على غزة، أثبتت إسرائيل أنها تمسك بخيوط القرار العربي الرسمي. لم يصدر موقف شجاع واحد من غالبية العواصم. لم تُحرّك الجيوش، لم تُغلق السفارات، لم تُستدعَ حتى السفراء. الصمت العربي لم يكن صدفة، بل هو نتاج سنوات من الاختراق الإسرائيلي للقرار الإقليمي، حيث باتت الأنظمة خاضعة بالكامل لحسابات الاحتلال، عاجزة حتى عن الإدانة الرمزية. بل إن بعض الأنظمة فضّلت استخدام هذه الجولة لتصفية حسابات مع فصائل المقاومة، وراحت تسوّق روايات الاحتلال، وتحمّل الضحية مسؤولية الدم، في خيانة أخلاقية لا تُغتفر.

إسرائيل تتجول في الشرق الأوسط… بلا رادع

من بيروت إلى دمشق، ومن بغداد إلى طهران، ومن صنعاء إلى غزة… قصف الاحتلال كل الجهات، جال في الشرق الأوسط شرقيه وغربه، دون أن يواجه ردًا عسكريًا على قدر عدوانه. لا أحد تمكّن من وقفه. لا من تحالفات التطبيع، ولا من المنابر العربية، ولا حتى من القوى التي هددت يومًا بإزالته من الوجود. إسرائيل اختبرت الجميع، وتقدّمت دون خسائر تُذكر. هذا ليس مجرد تفوق عسكري، بل تفوق سياسي ودبلوماسي، جعلها تتحرك كقوة إقليمية بلا سقف، تحت غطاء أميركي مطلق، وسكوت عربي كامل.

نعم، الصواريخ الإيرانية أربكت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، أوقعت خسائر في صفوف المدنيين والعسكريين، عطّلت الحياة لعدة أيام، وأظهرت هشاشة منظومة “القبة الحديدية”. لكنها لم تكن كافية لردع العدو أو تقييده. كانت بحاجة لترسيخ معادلة ردع جديدة، لكنها توقفت عند حد الإزعاج دون التأثير العميق، وفُرّطت الفرصة التاريخية في لحظة كان العالم فيها مضطربًا، والرأي العام متعاطفًا، والمقاومة موحدة. بدلًا من أن تكون هذه الجولة نقطة تحوّل، أصبحت مجرد هبّة أخرى في سجل المواجهة الطويل.

العالم يتآمر… لتبقى إسرائيل وحدها المنتصرة

مرة أخرى، تآمر العالم على غزة. صمت دولي، تواطؤ أممي، وانحياز فجّ للجلاد. بدلًا من كبح العدوان الإسرائيلي، شاهدنا محاولة لمحاصرة المقاومة، والضغط على طهران، وتخويف العرب من المجهول، فيما الاحتلال يُمنَح الوقت لينهش غزة، ويختبر قدرات خصومه، ويُجرّب أسلحته على الأجساد المحاصرة. العالم قال لغزة: دافعوا وحدكم… وموتوا بصمت. الموقف الدولي، من مؤسسات الأمم المتحدة حتى عواصم القرار، كشف أن ما من أحد يملك الجرأة على إيقاف إسرائيل، أو حتى محاسبتها، فكيف نتصور أن العدالة ستأتي من هذا العالم؟

إسرائيل لن تتوقف

من يظن أن إسرائيل ستكفّ عن القصف، أو تكتفي بما حققته، واهم. إسرائيل الآن تطمح للمزيد. لن تصمت حتى تُخضع الجميع، من لبنان إلى طهران، ومن القاهرة إلى الخرطوم. تريد أن تُخضع الشعوب وتفرض معادلتها الجديدة بالقوة: إسرائيل دولة كبرى، والبقية إمّا وكلاء أو أعداء. هذه هي عقيدتها، وهذا هو مشروعها.

جبهتها لا تقف عند حدود، وأحلامها لا تنتهي عند التوسع الجغرافي بل التوسع في الهيمنة والسيطرة والابتلاع التدريجي للقرار العربي والإسلامي. ومن لا يرى ذلك، فليقرأ خريطة القواعد، والتحالفات، والأموال، والأسلحة، والسفن، والتشريعات، ليدرك حجم الزحف الصهيوني.

رجال الأمة وحدهم في الميدان

ورغم كل هذا السواد، يبقى الأمل. ما زال في الأمة رجال يقاتلون، في غزة، يقفون وحدهم في وجه أعتى جيوش العالم، مدعوم من أقوى دول العالم، وسط خيانة رسمية وصمت أممي، ومع ذلك ما زالوا صامدين. هؤلاء هم من يُعوَّل عليهم، لا من يتحدث عن المقاومة في المنابر بينما يُسلّم خرائطها للعدو.

 هم الذين يُذَكّرون العالم كل يوم بأن فلسطين ما زالت قضية حيّة، وبأن إسرائيل ليست قدرًا، وبأن الهيمنة لن تستقر طالما في هذه الأمة روح مقاومة وكرامة ورفض.