في الوقت الذي يحتفل فيه العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 مايو/أيار من كل عام، تقف غزة شاهدةً على مشهد مغاير تمامًا: مشهد تراجيدي من الدم والركام، حيث يُدفن الصحفيون وأقلامهم تحت أنقاض المنازل والمكاتب التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية.
وبينما تُلقى الكلمات والخطابات الأممية الداعية إلى حماية حرية التعبير، يتساقط الإعلاميون الفلسطينيون قتلى وجرحى تحت وطأة صواريخ الاحتلال، في إبادة موثقة تتجاهلها عيون المجتمع الدولي وأفواه منظماته الحقوقية.
وفي بيان رسمي بمناسبة هذا اليوم، قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة إن ما يجري منذ 7 أكتوبر ليس مجرد انتهاك، بل “إبادة إعلامية ممنهجة”، تستهدف الكلمة والصورة والصوت، في سياق حملة تطهير شامل تطال كل ما يفضح جرائم الاحتلال.

مجازر بحق الصحفيين.. أرقام تكشف الجريمة
منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، تحوّل الصحفي الفلسطيني إلى هدف مباشر، بلغة أرقامٍ تفضح شراسة العدوان وغياب المحاسبة.
فقد وثق المكتب الإعلامي مقتل 212 صحفيًا حتى الآن، منهم مراسلون ومصورون ومحررون يعملون لدى وسائل إعلام محلية وعربية ودولية. لم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات؛ بل شواهد على فصول من العنف الذي يطال كل من يمسك كاميرا أو يسجل شهادة أو يوثق جريمة.
وبحسب البيان، فإن 409 صحفيين أصيبوا بجروح متفاوتة، بعضها تطور إلى إعاقات دائمة، فضلًا عن اعتقال 48 صحفيًا، بينهم نساء وأصحاب أمراض مزمنة، خضع كثير منهم للتعذيب والمعاملة المهينة، في خرق واضح للاتفاقيات الدولية بشأن حماية الصحفيين.
ولم يتوقف العدوان عند الأفراد، بل تعداه إلى تدمير البنية التحتية الإعلامية، إذ استُهدفت 143 مؤسسة إعلامية، بينها 12 صحيفة ورقية، و23 صحيفة إلكترونية، و11 إذاعة، و4 قنوات فضائية، وتدمير مقار 12 فضائية عربية ودولية تعمل من القطاع. كما فُجرت مطابع، وأُتلفت معدات التصوير والبث، ودُمّرت سيارات النقل المباشر، وكل ذلك وسط صمت عالمي مخزٍ.
حتى منازل الصحفيين لم تسلم، إذ جرى تدمير 44 منزلًا مملوكة لإعلاميين، واستُشهد 21 ناشطًا إعلاميًا على منصات التواصل، فقط لأنهم قرروا فضح الحقيقة ومقاومة الرواية الرسمية الإسرائيلية.
وتُقدّر الخسائر الاقتصادية للقطاع الإعلامي في غزة بأكثر من 400 مليون دولار، وفق المكتب الإعلامي الحكومي، في ظل توقف العمل الصحفي وتدمير المؤسسات وحرمان الإعلاميين من أدواتهم.
الاحتلال يذبح الصحافة”.. صمت دولي وتواطؤ تقني
ما يزيد فداحة الجريمة الإسرائيلية بحق الإعلام في غزة ليس فقط شراستها، بل الصمت الدولي المطبق تجاهها، وربما تواطؤ بعض المنصات العالمية في تغييب الحقيقة.
فقد تم حظر عشرات الحسابات الإعلامية الفلسطينية على فيسبوك وإنستغرام ويوتيوب وتويتر بذريعة “مخالفة المعايير”، في الوقت الذي كانت فيه هذه الحسابات توثق المجازر والانتهاكات الإسرائيلية بالصوت والصورة.
وفي خضم هذا التواطؤ، غابت بيانات الشجب والإدانة التي طالما تصدرت واجهات الإعلام الغربي في قضايا حرية التعبير الأخرى.
لم يصدر أي قرار أممي جاد يلزم إسرائيل باحترام الاتفاقيات الدولية التي تحمي الصحفيين، ولم تتحرك منظمات مثل “مراسلون بلا حدود” أو “لجنة حماية الصحفيين” إلا ببيانات رمزية لا ترقى لمستوى الحدث.
وقد دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين إلى وقف الجرائم الإسرائيلية ضد الصحفيين في غزة والضفة الغربية، مطالبةً بإطلاق سراح المعتقلين من الصحفيين، وإعادة إعمار مقرات المؤسسات الإعلامية والإذاعات المحلية، وتوفير المعدات والتجهيزات اللازمة لإعادة العمل الصحفي للحياة.
كما ناشدت النقابة المجتمع الدولي بتطبيق مبدأ منع الإفلات من العقاب، وفتح تحقيقات دولية عاجلة بحق قادة الاحتلال المتورطين في استهداف الإعلاميين، وإدراجهم في قوائم الإرهاب.
غزة تحت النار والكاميرا.. لماذا يُقتل الصحفي؟
ما يجري في غزة ليس حادثًا عابرًا أو أضرارًا جانبية كما تدّعي إسرائيل، بل سياسة مدروسة لضرب كل من يحاول فضح الجريمة. فإسرائيل تعرف تمامًا أن أقوى سلاح يهدد سرديتها ليس الصواريخ، بل الصورة. الكاميرا التي توثق الطفل المذبوح، الجرافة التي تهدم بيتًا فوق رؤوس ساكنيه، والمراسل الذي يبكي وهو ينقل مجزرة حقيقية.
الصحفي الفلسطيني في غزة لم يكن يومًا محايدًا، بل مقاتلًا على جبهة الحقيقة، يحمل الكاميرا كما يحمل المقاوم بندقيته، ولذا يُستهدف بنفس القدر من العداء. حتى اللحظة، لم يُحاسب أي مسؤول إسرائيلي على جريمة قتل صحفي، بدءًا من شيرين أبو عاقلة، وصولًا إلى عشرات الشهداء الإعلاميين في غزة.
وتحت الحصار المستمر منذ 18 عامًا، يواجه الإعلامي في القطاع معاناة مركبة: خطر القتل، وندرة الكهرباء، وانعدام الوقود والمعدات، وحرمانه من السفر والعلاج، وحتى من شراء أجهزة بديلة بعد قصف معداته.
في ظل هذا الواقع، يتجدد السؤال كل عام: كيف يمكن الحديث عن “حرية الصحافة” في عالم يعجز عن حماية أبسط حقوق الصحفي في الحياة؟ كيف تُحيي الأمم المتحدة هذا اليوم، بينما تقف عاجزة أمام سحل إعلاميي غزة، بل وتغضّ الطرف عن من يدوس الكاميرا بدم بارد؟
نداء من تحت الركام.. غزة تناديكم
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا ترفع غزة شعارات، بل ترفع جثامين إعلامييها. لا تطبع كتيبات ولا تُقيم احتفالات، بل تُشيّع جثمانًا جديدًا وتُصلي في مستشفى مدمر على جثة مصور لم يكن يحمل سوى كاميرته.
الاحتلال لم يكتفِ بإسكات الصوت الفلسطيني، بل يحاول طمسه بالكامل، في واحدة من أبشع جرائم الإبادة الإعلامية في العصر الحديث. وبينما تلوذ العواصم الكبرى بالصمت، يبقى صوت غزة حيًّا، بفضل من نقلوا الحقيقة، ولو بكاميرا مكسورة، ولو قبل لحظة من موتهم.
إن حماية الصحفيين الفلسطينيين لم تعد قضية مهنية أو إنسانية فقط، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية على عاتق كل حرّ، وكل منظمة، وكل دولة تدّعي احترامها لحرية التعبير. فغزة لا تحتاج تضامنًا لفظيًا، بل فعلًا سياسيًا وقانونيًا عاجلًا، يوقف نزيف الكلمة، ويضع حدًا لمن يعتقد أن الكاميرا أخطر من الصاروخ.
هل يستفيق العالم قبل أن تُمحى الحقيقة تمامًا؟ وهل تصل هذه الصرخة إلى ضمائر بقيت صمّاء حتى الآن؟ في غزة، لا شيء مستحيل.. حتى وهم يُذبحون، يصورون الجريمة كاملة.