حذّرت محافظة القدس من توسعة جديدة لمستوطنة “آدام” شمالي القدس المحتلة، معتبرة أنها خطوة خطيرة تهدف إلى خنق الوجود الفلسطيني في المنطقة، ضمن سياسة الاحتلال الرامية لتكريس ما يُعرف بـ“مشروع القدس الكبرى”.

وأوضحت المحافظة، في بيان رسمي الأربعاء، أن سلطات الاحتلال طرحت مناقصتين لبناء 356 وحدة استيطانية في المستوطنة المقامة على أراضي بلدة جبع شمالي القدس، في خطوة تأتي ضمن مخطط استعماري واسع يسعى إلى السيطرة على السفوح الشمالية الشرقية للمدينة وربط المستوطنات المقامة حولها ببعضها البعض، تمهيداً لعزل القرى الفلسطينية وفصل القدس عن امتدادها الجغرافي في الضفة الغربية.

وأكدت المحافظة أن التوسع الجديد ليس مجرد بناء عشوائي، بل هو سياسة دولة تُدار من أعلى المستويات في حكومة الاحتلال، التي تضع نصب عينيها تغيير الواقع الديمغرافي في القدس لمصلحة المستوطنين. ويُعد هذا المشروع استمراراً لسلسلة من الخطط التي تهدف إلى تطويق المدينة من جميع الجهات ومنع أي إمكانية مستقبلية لإقامة عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية.

وأضافت المحافظة أن هذه الخطوة تأتي بالتوازي مع سياسة تهويد ممنهجة تشمل طرد السكان المقدسيين من منازلهم في أحياء مثل سلوان والشيخ جراح، وهدم البيوت بحجة “البناء غير المرخص”، بينما تُمنح التراخيص للمستوطنين بشكل استثنائي وسريع، ما يفضح سياسة التمييز العنصري التي تُمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين في المدينة.

انتهاكات للمقدسات الإسلامية.. اقتحامات منظمة للأقصى والإبراهيمي

وفي سياق موازٍ، وثّقت وزارة الأوقاف الفلسطينية في تقريرها الشهري سلسلة من الانتهاكات الإسرائيلية الممنهجة للمقدسات الإسلامية خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وأشار التقرير إلى أن قوات الاحتلال والمستوطنين اقتحموا المسجد الأقصى 27 مرة، في حين مُنع رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي 96 وقتاً، وأُغلق المسجد أمام المصلين الفلسطينيين لعدة أيام متتالية.

وأضافت الوزارة أن المستوطنين أدوا صلوات تلمودية وانبطاحات وغناء ورقصاً في باحات الأقصى، ونفخوا في الأبواق وحملوا القرابين النباتية، وارتدوا زيّ كهنة “الهيكل المزعوم”، في محاولة رمزية لفرض وقائع جديدة على الأرض تتماهى مع الخطاب الديني المتطرف الذي تتبناه حكومة الاحتلال الحالية.

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، إذ اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى مع عدد من أعضاء الكنيست في 22 أكتوبر/تشرين الأول، في استفزاز مباشر لمشاعر الفلسطينيين والمسلمين حول العالم. ويرى مراقبون أن هذه الاقتحامات المنظمة تمثل توجهاً حكومياً نحو التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وهي سياسة تتصاعد مع كل مناسبة دينية يهودية.

إجرام المستوطنين في الضفة.. ضرب وحرائق وترويع

في الضفة الغربية المحتلة، واصل المستوطنون جرائمهم بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم تحت حماية جيش الاحتلال. فقد أصيب عدد من الفلسطينيين، بينهم مسنّ ومسنّة، في اعتداءات نفذها مستوطنون مساء الأربعاء في منطقة مسافر يطا جنوبي الخليل.

وقالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إن طواقمها نقلت المصابين إلى المستشفى بعد تعرضهما للضرب المبرح على يد مجموعات من المستوطنين الذين هاجموا تجمع البطم في مسافر يطا، وحطموا أثاث المنازل وخطّوا شعارات عنصرية بالعبرية.

ونقلت وكالة الأناضول عن الناشط الفلسطيني أسامة مخامرة أن مستوطنين من مستوطنة “عتنائيل” هاجموا قرية خلّة الفرّا غرب بلدة يطا، وأطلقوا مواشيهم وأبقارهم داخل كروم العنب والأشجار المثمرة، متسببين بخسائر كبيرة للفلاحين الفلسطينيين. كما اعتدوا بالضرب على الأهالي الذين حاولوا الدفاع عن أراضيهم، وسط تغاضٍ تام من جيش الاحتلال الذي اكتفى بمراقبة المشهد.

وفي وسط الضفة، أحرق مستوطنون أشجار زيتون في سهل ترمسعيا شمال شرق رام الله، ما أدى إلى تدمير مساحات زراعية واسعة وتكبيد المزارعين خسائر فادحة. كما أضرم مستوطنون النار في منشأة زراعية بقرية مجدل بني فاضل جنوبي نابلس، ضمن حملة ممنهجة تهدف إلى تهجير المزارعين من أراضيهم وفرض واقع استيطاني بالقوة.

مواجهات ومجازر متواصلة تحت غطاء الحرب على غزة

في سياق متصل، اندلعت مواجهات عنيفة في بلدة بيت فوريك شرقي نابلس عقب اقتحام قوات الاحتلال للبلدة وإطلاقها النار على الشبان الفلسطينيين. وبثّت وسائل إعلام فلسطينية مشاهد تُظهر الجنود وهم يطلقون النار باتجاه المتظاهرين، في استمرارٍ لسياسة القمع الميداني التي ينتهجها الاحتلال في مختلف مدن الضفة.

ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، فقد شهد شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي 766 اعتداءً نفذها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون ضد المواطنين وممتلكاتهم، شملت اعتداءات جسدية وحملات اعتقال وإطلاق نار، في إطار موجة تصعيد غير مسبوقة منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد أكثر من 1065 فلسطينياً وإصابة نحو 10 آلاف آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 20 ألف فلسطيني بينهم 1600 طفل، في أرقام تعكس حجم الإجرام الممنهج الذي تمارسه سلطات الاحتلال ومستوطنوها في الضفة الغربية.

ويجمع المراقبون على أن ما يحدث اليوم ليس حوادث متفرقة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ الضفة من سكانها الأصليين، وتحويلها إلى كانتونات معزولة، تمهيداً لضمها الكامل ضمن مشروع استيطاني أوسع تقوده حكومة نتنياهو بدعم مباشر من التيارات الدينية المتطرفة.

خاتمة: الاحتلال يُمعن في الجريمة والعالم يصمت

تؤكد الوقائع الميدانية أن إسرائيل ماضية في مشروعها الاستعماري دون رادع، مستفيدة من صمت المجتمع الدولي وتواطؤ بعض القوى الكبرى. توسعة مستوطنة “آدام”، وحرق أشجار الزيتون، واقتحام الأقصى، واعتداءات المستوطنين اليومية، جميعها حلقات في سلسلة واحدة من الإجرام المنظم الهادف إلى محو الوجود الفلسطيني من الجغرافيا والتاريخ.

وفي ظل غياب أي مساءلة حقيقية، يظل الفلسطينيون وحدهم في مواجهة آلة الاستيطان والقتل، بينما يواصل الاحتلال بناء واقعه القائم على القهر والعنصرية، متحدّياً كل القوانين الدولية والضمير الإنساني.

اقرأ أيضًا :إعلان تجنيد أم حملة مرتزقة جديدة؟.. الإمارات تفتح باب “حرس الرئاسة” في توقيت مريب