في قرار أثار موجة واسعة من السخرية والغضب الحقوقي، قررت محكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ في مصر مدّ إدراج السياسي المصري المعتقل منذ عام 2018، عبدالمنعم أبو الفتوح، و27 آخرين، على قوائم “الإرهاب” لمدة خمس سنوات جديدة، بزعم مشاركته في اجتماعات داخل زنزانته الانفرادية لـ«تفعيل الدعم المالي، وشراء أسلحة، ورصد ضباط ومنشآت تمهيدًا لاستهدافهم». قرارٌ اعتبره معارضون وحقوقيون حلقة جديدة في مسلسل التنكيل السياسي الذي يقوده نظام عبدالفتاح السيسي بحق خصومه.

اتهامات بلا وقائع
بحسب حيثيات القرار المنشورة في “جريدة الوقائع”، زعمت المحكمة أن المتهمين عقدوا لقاءات داخل محابسهم وأثناء تردد بعضهم على النيابات، واتفقوا على تفعيل لجان دعم مالي لشراء أسلحة ومفرقعات وتخزينها، إضافة إلى رصد ضباط وأفراد من القوات المسلحة والشرطة ومنشآت عامة. غير أن هذه الحيثيات افتقرت لأي وقائع ملموسة: لا أسلحة مضبوطة، ولا متفجرات، ولا اعترافات موثقة أمام النيابة أو المحكمة، واكتفت بالاستناد إلى تحريات الأمن الوطني.
هذا الفراغ الدليلي دفع معارضين إلى التهكم على القرار، فيما رأى حقوقيون أنه يرسخ نمطًا معروفًا من “تدوير القضايا”؛ إذ يُعاد إدراج المعتقلين في ملفات جديدة مع اقتراب انتهاء مدد حبسهم، لمنع الإفراج عنهم فعليًا، حتى وإن صدرت قرارات بإخلاء سبيلهم.
سؤال المنطق: كيف خطط من العزل؟
يوثق حقوقيون أن أبو الفتوح، البالغ 73 عامًا، محتجز منذ سنوات في زنزانة انفرادية بسجن “بدر 3”، محروم من الزيارة ومن التواصل مع بقية السجناء، وتحت رقابة أمنية مشددة تشمل كاميرات داخل محبسه. في هذا السياق، يطرحون سؤالًا بديهيًا: كيف التقى 27 شخصًا، وخطط لشراء أسلحة ورصد منشآت، وهو معزول انفراديًا ويعاني أمراضًا خطيرة؟
لماذا أبو الفتوح؟
تتقاطع حملات التنكيل مع ثقل أبو الفتوح السياسي وتاريخه الطويل منذ السبعينيات. فهو شخصية جامعة حصدت قرابة أربعة ملايين صوت في انتخابات 2012، من طيف واسع جمع إسلاميين وليبراليين. هذا الحضور، بحسب محللين، يفسر قلق السلطة من تأثيره الرمزي إذا خرج إلى المجال العام، خصوصًا بعد تحوله إلى معارض شرس عقب فض اعتصام رابعة وانتقاده السياسات الأمنية والاقتصادية للنظام.
اعتُقل أبو الفتوح في فبراير/شباط 2018 عقب تصريحات إعلامية وصف فيها النظام بالقمعي، وصدر بحقه في مايو/أيار 2022 حكم بالسجن المشدد 15 عامًا. وتوسعت دائرة التنكيل لتطال أسرته، مع حبس نجله أحمد في قضية منفصلة، في نمط بات مألوفًا بحق عائلات المعارضين.
قراءة حقوقية: ذريعة لتأبيد الاحتجاز
يرى حقوقيون أن الاتهامات الأخيرة—خصوصًا “التخطيط من زنزانة انفرادية”—ليست سوى ذريعة لتأبيد الاحتجاز، وإغلاق أي نافذة لإخلاء السبيل تحت ضغط صحي أو دولي، وبعث رسالة بأن المعتقلين السياسيين “لن يروا النور” في ظل الحكم الحالي.
وتحذر منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش و**منظمة العفو الدولية**، من تدهور الوضع الصحي لأبو الفتوح، مشيرة إلى معاناته من نوبات قلبية متكررة وانزلاق غضروفي، ومعتبرة أن استمرار حبسه في هذه الظروف يرقى إلى “قتل بطيء”.
غياب دولة القانون
يؤكد حقوقيون مصريون أن المشكلة لا تكمن في الاتهام ذاته بقدر ما تكمن في غياب دولة القانون، حيث تُقبل اتهامات غير معقولة، وتُدار محاكمات استثنائية، وتُصدر قرارات مصيرية بناءً على تحريات دون أدلة. ويرون أن ما يجري تجاوز منطق “عدالة المنتصر” إلى عبث مؤسسي يستهين بالعقل العام وبهيبة القضاء.
“بدر 3”: حيث تُطفأ الأرواح
يقبع أبو الفتوح في سجن “بدر 3” الذي تصفه تقارير حقوقية بأنه بيئة للموت البطيء: عزل انفرادي، إهمال طبي، وحرمان من الزيارة والعلاج. وفي توصيف لافت، قالت جهات حقوقية إن “في بدر 3 لا تخرج العدالة، بل تُطفأ الأرواح”.
خلاصة
تكشف قضية أبو الفتوح—بما تحمله من اتهامات بلا أدلة ومنطق—عن استخدام القضاء الاستثنائي كأداة سياسية لإسكات المعارضين، وتؤكد أن ما يجري ليس محاكمة لأفعال، بل إدارة للصراع السياسي عبر القيد والإنهاك الصحي. وفي ظل هذا المسار، تبدو الرسالة واضحة: إبقاء الرموز المؤثرة خلف القضبان، حتى لو كان الثمن حياة تُقتل ببطء.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتواصل رغم الهدنة… حماس تتهم إسرائيل بتوسيع خروقات وقف إطلاق النار في غزة