في تطور صادم يعكس حجم الفساد المستشري داخل أجهزة السلطة الفلسطينية، كشفت مصادر خاصة عن توقيف العميد رياض فرج، شقيق رئيس جهاز المخابرات العامة ماجد فرج، من قِبل جهاز الاستخبارات العسكرية الفلسطينية، على خلفية شبهات تورطه في قضايا اتجار بالآثار وتسريب أراضٍ لصالح الاحتلال الإسرائيلي، في واحدة من أكثر القضايا حساسية وإحراجًا للسلطة ورموزها الأمنية.

اعترافات تقود إلى رأس الشبكة

بحسب المعلومات، فقد جاءت عملية توقيف رياض فرج بعد اعترافات قدّمها شخص يُدعى فادي الولجي، ضُبطت بحوزته كمية كبيرة من الآثار الفلسطينية النادرة. وخلال التحقيق معه، اعترف الولجي أن فرج كان شريكًا مباشرًا له في عمليات التنقيب والاتجار، بل وكان يؤمن مواقع التنقيب في منطقة وادي المخرور قرب بيت جالا عبر دوريات تابعة لجهاز المخابرات نفسه، في انتهاك صارخ للقانون الفلسطيني.

وأضافت المصادر أن الولجي كان قد استُدعي إلى أحد مقرات الأجهزة الأمنية في وقت سابق على خلفية شبهات تسريب أراضٍ للاحتلال في منطقة دير واد القلط بأريحا باستخدام وثائق مزورة، وهي القضية التي فجّرت الملف برمته. ووفقًا لشهادات حصلت عليها “عربي21″، فقد وعده رياض فرج بالتدخل لإغلاق الملف وحمايته من المساءلة، إلا أن الأجهزة الأمنية خالفت وعدها وأوقفت الولجي، ليقود التحقيق معه إلى تفكيك شبكة فساد مرتبطة بمسؤولين كبار داخل السلطة.

فساد عائلي وبيع للأرض

تكشف هذه القضية عن وجه خفي لسياسات قيادة السلطة الفلسطينية، حيث لم يقتصر تورط فرج على التغطية على عمليات التنقيب، بل كشفت التحقيقات أيضًا عن تورط عائلته المباشر في الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي العامة وتحويلها إلى ملكيات خاصة. وأفادت مصادر مطلعة أن النيابة العسكرية قررت توقيف رياض فرج 15 يومًا على ذمة التحقيق، بينما تتجنب الدوائر الأمنية الخوض في تفاصيل الملف خشية فضح المزيد من الأسماء الثقيلة المتورطة فيه.

ومن بين ما كُشف، تحويل مساحات واسعة من أراضي الدولة في منطقة استراحة أريحا القريبة من المعبر الحدودي إلى ملكيات خاصة بأسماء شخصيات نافذة، منها 22 دونمًا باسم علي رياض فرج (ابنه)، و22 دونمًا باسم بلقيس ماجد فرج (ابنة شقيقه رئيس المخابرات)، و5 دونمات باسم اللواء زكريا مصلح مدير الاستخبارات العسكرية، ودونم ونصف باسم مدير الشرطة الفلسطينية علام السقا، و22 دونمًا باسم علي مهنا مدير المعابر الفلسطينية. هذه المعطيات تكشف أن ما يجري ليس تجاوزًا فرديًا، بل نهب منظّم لأملاك الفلسطينيين تحت غطاء رسمي.

شبكة نهب تحتمي بعباس

تثير هذه القضية تساؤلات خطيرة حول حماية الرئيس محمود عباس لعصابة مقربيه الأمنيين الذين راكموا الثروات الهائلة من خلال صفقات مشبوهة وبيع أراضي الفلسطينيين لصالح الاحتلال الإسرائيلي، في وقت يُمنع فيه عامة الفلسطينيين من البناء في مناطق مصنفة (ج)، ويُزج بالشباب في السجون بتهمة “الاعتداء على أراضي الدولة”. هذا التناقض يفضح جوهر السلطة الحالية التي تخلّت عن مهمتها في حماية الأرض لصالح شبكة محسوبية وفساد عائلي تابعة لعباس.

فبينما تغتال قوات الاحتلال النشطاء الميدانيين وتواصل مصادرة الأراضي، تنشغل أجهزة عباس الأمنية في حماية شبكات التهريب والسمسرة بالأرض والآثار، وتستخدم نفوذها لترهيب الشهود وطمس الأدلة، في نموذج صارخ لتحول أجهزة يفترض أنها “وطنية” إلى أذرع لحماية المصالح الشخصية للعائلات النافذة.

قضية تهدد بانفجار داخلي

يرى مراقبون أن هذه الفضيحة قد تتحول إلى قضية رأي عام تهز ما تبقى من شرعية السلطة الفلسطينية، خاصة أن أسماء المتورطين تنتمي إلى الحلقة الأمنية الأضيق المقرّبة من عباس، وعلى رأسهم ماجد فرج الذي يوصف بأنه الحاكم الفعلي للضفة الغربية والمسيطر على مفاصل السلطة الأمنية والاقتصادية. ويشير محللون إلى أن استمرار طمس القضية أو تبرئة المتورطين قد يؤدي إلى تفجّر الغضب الشعبي المتراكم ضد فساد السلطة، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة والتنسيق الأمني المستمر مع الاحتلال.

وفي المقابل، تحاول الدوائر الإعلامية التابعة للسلطة التعتيم على القضية ومنع تداولها في الإعلام المحلي، في وقت تتداول فيه منصات فلسطينية مستقلة تفاصيل الفضيحة، وسط حملات تشويه ممنهجة ضد الصحفيين الذين يغطّونها، ما يعكس حجم الخوف داخل النظام من تحوّل الملف إلى كرة ثلج تطيح برؤوس كبيرة.

خاتمة: الأرض تُباع والأمن يحرس اللصوص

تكشف فضيحة رياض فرج عن منظومة إجرامية متكاملة يقودها عباس وعصابته الأمنية، حيث تُباع الأرض الفلسطينية للاحتلال وتُنهب الآثار، بينما يُلاحق الشرفاء وتُقمع الأصوات المعارضة. إنها ليست مجرد حادثة فساد عابرة، بل صورة مكثفة لسلطة فقدت أي صلة بقضية شعبها، واندمجت بالكامل في مشروع الاحتلال ونهب الثروات.

وفي ظل صمت المؤسسات الرسمية وخوف القضاة من المساس بـ”خطوط حمراء” تحمي المتنفذين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتحرك الفلسطينيون لوقف هذا النزيف، أم تُترك الأرض لتُباع قطعة قطعة، بينما يحرسها جنود عباس؟

اقرأ أيضًا : تضييقات أمنية ضد «أسطول الصمود المصري» تكشف خوف نظام السيسي من دعم غزة