في تصعيد جديد يعكس حجم التوتر المتصاعد في الشرق الأوسط، اتهمت إيران الولايات المتحدة بالوقوف وراء عمليات عسكرية غامضة داخل دول المنطقة باستخدام طائرات مسيّرة مستنسخة من الطراز الإيراني “شاهد”. واعتبرت طهران أن هذه العمليات تهدف إلى إلصاق التهم بها وإثارة الشقاق بينها وبين دول الجوار، في خطوة وصفتها بأنها جزء من “حرب خفية” تقودها واشنطن لإشعال المنطقة وإطالة أمد الصراعات فيها.

وجاءت هذه الاتهامات على لسان المتحدث باسم “مقر خاتم الأنبياء” العسكري في إيران، إبراهيم ذو الفقاري، الذي قال إن الجيش الأمريكي لجأ إلى استنساخ الطائرة المسيّرة الإيرانية “شاهد 136″، وأطلق على النسخة الأمريكية اسم “لوكاس”، بهدف تنفيذ عمليات هجومية في دول المنطقة مع ترك بصمات توحي بأن إيران تقف خلف تلك الضربات.

اتهام مباشر باستنساخ التكنولوجيا العسكرية الإيرانية

وفق التصريحات الإيرانية، فإن الولايات المتحدة لم تكتف بمواجهة إيران عسكرياً وسياسياً، بل لجأت إلى ما وصفته طهران بـ”المكر العسكري” من خلال تقليد تقنيات الطائرات المسيّرة الإيرانية واستخدامها في عمليات هجومية ذات اتجاه واحد، وهي نفس الطريقة التي اشتهرت بها طائرات “شاهد” الانتحارية.

وقال ذو الفقاري إن إيران “تتحمل علناً مسؤولية أي عملية عسكرية تقوم بها”، مؤكداً أن طهران تعلن عملياتها بشكل واضح وصريح عبر بيانات رسمية، وأنها لا تستهدف سوى المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية، وليس دول المنطقة.

وأضاف أن الهجمات التي شهدتها بعض الدول المجاورة خلال الأيام الماضية ليست سوى “محاولات مريبة” تهدف إلى توجيه أصابع الاتهام نحو إيران وإحداث شرخ بينها وبين حلفائها الإقليميين.

وترى طهران أن واشنطن تسعى من خلال هذه العمليات إلى خلق حالة من الشك وانعدام الثقة بين إيران ودول الجوار، بما يسمح بتوسيع دائرة الصراع وفتح جبهات جديدة في المنطقة.

استراتيجية الفوضى.. كيف تستخدم واشنطن الحروب بالوكالة؟

التحذيرات الإيرانية تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة الحرب غير التقليدية التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على الجيوش النظامية، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، والحروب السيبرانية، والعمليات السرية التي يصعب تحديد منفذيها.

ويرى مراقبون أن الطائرات المسيّرة أصبحت سلاحاً محورياً في الصراعات الحديثة، بسبب انخفاض تكلفتها وقدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة دون تعريض الطيارين للخطر. ومع انتشار هذه التكنولوجيا، بات من السهل نسبياً تقليد تصميمات بعض الطائرات أو تطوير نسخ مشابهة منها، وهو ما قد يفتح الباب أمام عمليات تضليل عسكري معقدة.

وتشير إيران إلى أن الولايات المتحدة تسعى لاستغلال هذا الواقع عبر استخدام طائرات تشبه المسيّرات الإيرانية، بحيث تبدو الهجمات وكأنها صادرة عن طهران، الأمر الذي قد يخلق أزمات سياسية وأمنية بينها وبين جيرانها.

وفي حال صحت هذه الاتهامات، فإن ذلك قد يمثل تحولاً خطيراً في طبيعة الحروب الحديثة، حيث تصبح التكنولوجيا العسكرية أداة ليس فقط للقتال، بل أيضاً للتضليل وإدارة الصراعات بالوكالة.

الطائرات المسيّرة.. سلاح يغير موازين الحروب الحديثة

خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الطائرات المسيّرة واحدة من أبرز أدوات القوة العسكرية في العالم، وقد لعبت دوراً بارزاً في عدد من الحروب والصراعات، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط.

وتعد المسيّرة الإيرانية “شاهد 136” واحدة من أكثر الطائرات الانتحارية شهرة في هذا المجال، إذ تعتمد على أسلوب الضربة ذات الاتجاه الواحد، حيث تنطلق الطائرة نحو الهدف لتنفجر عند الاصطدام به، ما يجعلها سلاحاً منخفض التكلفة مقارنة بالصواريخ التقليدية.

وقد أثبت هذا النوع من الطائرات فعالية كبيرة في النزاعات الحديثة، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تطوير برامج مشابهة، سواء عبر تصنيع نماذج محلية أو عبر استنساخ تقنيات مستخدمة بالفعل في ساحات القتال.

وكان الجيش الأمريكي قد أعلن قبل أشهر عن تطوير طائرة هجومية جديدة تحمل اسم “لوكاس”، وهي طائرة مسيّرة انتحارية تعتمد أسلوب الضربة المباشرة، وهو ما دفع طهران إلى اتهام واشنطن باستنساخ التكنولوجيا الإيرانية واستخدامها في عمليات ميدانية.

صراع الظلال.. المنطقة على حافة مواجهة أوسع

الاتهامات الإيرانية تأتي في سياق توتر إقليمي واسع النطاق، حيث تشهد المنطقة تصاعداً في الهجمات المتبادلة بين أطراف مختلفة، إضافة إلى تصاعد الصراع غير المباشر بين إيران والولايات المتحدة.

وترى طهران أن واشنطن تسعى إلى تأجيج النزاعات الإقليمية من خلال إشعال بؤر توتر جديدة، بما يسمح لها بالحفاظ على وجودها العسكري في المنطقة وتعزيز نفوذها السياسي والعسكري.

وفي المقابل، تعتبر إيران أن استهدافها إعلامياً وعسكرياً جزء من حملة أوسع تهدف إلى محاصرتها وإضعاف نفوذها الإقليمي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.

وبين الاتهامات المتبادلة والتصعيد العسكري المتواصل، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الصراع المعقد، حيث تختلط الحروب التقليدية بحروب الظل، وتصبح التكنولوجيا العسكرية أداة مركزية في معركة النفوذ بين القوى الكبرى.

ومع استمرار هذا التصعيد، يخشى مراقبون أن تتحول هذه المواجهات غير المباشرة إلى صدامات أوسع قد تدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة من عدم الاستقرار، في ظل غياب أي مؤشرات حقيقية على تهدئة قريبة.

اقرأ أيضا : تصاعد المواجهة الإقليمية.. هجمات متزامنة تستهدف قواعد أمريكية في العراق وسط رد إيراني متصاعد