في تطور لافت يكشف هشاشة المنظومة العسكرية الإسرائيلية، اعترف جنرالات وباحثون في معاهد الأمن القومي بوجود تآكل متسارع في قوة جيش الاحتياط، الذي يُعد تاريخيًا الركيزة الأساسية للأمن القومي للاحتلال.

هذا الاعتراف لا يقتصر على مجرد ملاحظات عابرة، بل يضع علامات استفهام كبرى حول قدرة “إسرائيل” على مواصلة حروبها الممتدة في غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية، مع وجود مؤشرات واضحة على استنزاف بشري ونفسي ومؤسسي يصعب علاجه بالمال أو المزايا التشريعية.

جيش الاحتياط.. عمود فقري بدأ يتصدع

منذ عقود يُنظر إلى جيش الاحتياط على أنه العامل الحاسم في تحويل الجيش النظامي الصغير إلى قوة ضخمة قادرة على خوض حروب شاملة، كما حدث في حرب أكتوبر 1973، ثم في معارك غزة الأخيرة. غير أن السنوات الأخيرة، خاصة بعد حرب غزة 2023، كشفت أن منظومة الاحتياط تعيش أزمة بنيوية عميقة.

الجنرال أريئيل هايمان، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، لخص هذه الأزمة قائلاً إن “الاحتياط كان سر قوة إسرائيل، لكنه اليوم في مسار تآكل واضح يهدد الأمن القومي”. وأوضح أن استدعاء مئات الآلاف لأشهر طويلة أدى إلى إنهاك الجنود وعائلاتهم، وأوجد حالة من التململ وفقدان الحافز الوطني.

الحلول الجزئية.. مسكنات بلا علاج

رغم إدراك المؤسسة العسكرية والسياسية لحجم الأزمة، فإن الإجراءات المتخذة حتى الآن اقتصرت على تقديم منح مالية، وتعديلات تشريعية، وتعويضات لأصحاب الأعمال. لكنها لم تلامس جوهر المشكلة المتمثل في طول فترة الخدمة، وغياب الأهداف الواضحة، وانعدام الأمن النفسي لعائلات الجنود.

هايمان أشار إلى أن “الأموال تساعد، لكنها لا تكفي لمواجهة الاستنزاف”، مضيفًا أن الرسالة القومية التي كانت تدفع جنود الاحتياط للتضحية بدأت بالتآكل، خصوصًا مع تزايد الهوة بين الخطاب العسكري والقرارات السياسية. فحين يُستدعى الجنود مرارًا بلا نهاية محددة، ومع أهداف غامضة، يصبح استمرار الالتزام مسألة شبه مستحيلة.

غضب داخلي وفجوة اجتماعية

من أخطر تجليات الأزمة، الفجوة المتسعة بين من يُستدعون باستمرار للخدمة، وبين فئات أخرى معفاة تمامًا، خصوصًا في المجتمع الحريدي. هذه الازدواجية تغذي شعورًا متناميًا بالغضب داخل صفوف الاحتياط، حيث يرى الجنود أنفسهم يدفعون ثمن الحروب بينما آخرون يتمتعون بحصانة دينية أو سياسية.

وقد حذر باحثون من أن هذا التناقض يقوض التضامن المجتمعي الذي كان يضمن استمرار منظومة الاحتياط لعقود، ويؤدي تدريجيًا إلى تفكك العقد الاجتماعي الذي يقوم عليه الجيش الإسرائيلي.

التآكل العسكري.. انعكاس للهشاشة القومية

التحذيرات لم تتوقف عند حدود التعب والإرهاق، بل طالت الأمن القومي مباشرة. فالمخططون العسكريون – بحسب هايمان – يتصرفون كما لو أن الاحتياط “مورد غير محدود”، وهو ما يهدد بانهيار القدرة القتالية في أي مواجهة طويلة. وبالمقارنة مع الذخيرة التي لا يمكن خوض معركة بدونها، يؤكد الخبراء أن الاعتماد المفرط على الاحتياط من دون ضمان قدرته على الصمود يعادل الدخول في حرب بلا سلاح كافٍ.

هذا التوصيف يعكس حقيقة صادمة: أن منظومة الجيش التي طالما تباهت “إسرائيل” بأنها محصنة وقادرة على الردع، باتت اليوم مهددة من الداخل، نتيجة الإنهاك وفقدان التوازن بين الطموح السياسي والقدرة الميدانية.

الأبعاد الاستراتيجية للأزمة

التآكل الحاصل في جيش الاحتياط لا يمكن النظر إليه بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالاحتلال يخوض مواجهات متوازية في غزة ولبنان وسوريا، ويُبقي الضفة الغربية تحت ضغط أمني دائم. ومع كل جبهة جديدة، تتعمق أزمة الاستنزاف وتتعقد قدرة القيادة على إدارة الموارد البشرية.

هذا الوضع يمنح خصوم “إسرائيل” فرصة تاريخية لتقويض استراتيجيتها القائمة على الردع والقدرة على الحسم. فبدلًا من صورة الجيش الذي لا يُقهر، تظهر اليوم ملامح مؤسسة عسكرية منهكة، تعتمد على “ترقيع” الأزمات بالمال، فيما تتآكل قدرتها البشرية والمعنوية.

الخلاصة: أمن هش ودولة مهددة

الاعترافات الإسرائيلية بتآكل جيش الاحتياط تكشف عن أزمة عميقة تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية لتطال بنية المجتمع والسياسة. فالجيش لم يعد قادرًا على ضمان استمرارية نفس منظومة التعبئة الشاملة التي شكلت عماد القوة الإسرائيلية، بينما تتزايد الانقسامات الداخلية والغضب المجتمعي من التضحيات غير المتكافئة.

وعليه، يمكن القول إن “الأمن القومي الإسرائيلي يدفع الثمن” بالفعل، ليس فقط من خلال ضعف قدرة الجيش على خوض الحروب الطويلة، بل أيضًا عبر تزعزع الثقة الوطنية وفقدان الحافز الجمعي، ما يجعل الاحتلال في موقع هش أمام أعدائه، ويطرح تساؤلات جذرية حول مستقبل منظومته العسكرية والسياسية في آن واحد.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يبتز العائلات في غزة: بين خيار الخيانة أو الاستهداف الجماعي