منذ بداية الحرب على قطاع غزة، تتكشف يوماً بعد يوم أساليب جديدة من سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي تمزج بين العنف العسكري والحرب النفسية، في محاولة لفرض سيطرة ميدانية واجتماعية على مجتمع يعاني الحصار والمجازر. أحدث هذه السياسات يتمثل في تخيير بعض العائلات الغزية بين التعاون مع الاحتلال وتشكيل مليشيات محلية تعمل لصالحه، أو مواجهة التهجير والاستهداف المباشر. وهو نهج يعكس طبيعة مشروع الاحتلال القائم على تفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل وتحويل روابطه العائلية إلى أداة ضغط.

ابتزاز العائلات ورفض الانخراط في الخيانة

بحسب شهادات محلية، فقد تواصل ضباط في مخابرات الاحتلال مع وجهاء عائلات بارزة في غزة، منها عائلة بكر التي تسكن غرب مدينة غزة، وطلبوا منها تشكيل مليشيا مسلحة من أبنائها للعمل تحت إمرة الجيش الإسرائيلي مقابل الحماية. وحين رفض مختار العائلة مروان بكر هذا العرض، اضطر للنزوح عن منزله خشية الاستهداف، وأوصى أفراد عائلته بالابتعاد والتفرق. غير أن الاحتلال لم يتأخر في تنفيذ تهديداته، إذ شن غارة مروعة بعد ساعات قليلة استهدفت منازل وتجمعات للعائلة، أسفرت عن سقوط عدد كبير من الشهداء بينهم نساء وأطفال.

لم يتوقف الابتزاز عند هذه العائلة، بل امتد إلى عائلات أخرى في حي الصبرة جنوب غزة، مثل عائلة دغمش، التي عُرض عليها المقترح ذاته بتشكيل مليشيا محلية. ومرة أخرى جاء الرد بالرفض، ليؤكد أن المجتمع الغزي، رغم حجم المأساة، لا يزال يقاوم مشاريع الاحتلال الرامية إلى صناعة “أدوات خيانة” من داخل البنية العائلية الفلسطينية.

مجازر متعمدة ورسائل بالدم

جاءت مجزرة مخيم الشاطئ التي استهدفت عائلة بكر لتكون بمثابة “رسالة دموية” من الاحتلال إلى باقي العائلات: إما الخضوع لشروطه أو مواجهة الإبادة. فقد استشهد تسعة من أفراد العائلة في قصف متعمد، بينهم أطفال ونساء، بعد يوم واحد فقط من رفضها تشكيل مليشيا محلية. وبذلك يثبت الاحتلال أن عروضه ليست مجرد محاولات تجنيد، بل خطط متكاملة لربط الحياة بالموت بخيط رفيع من الابتزاز.

هذا النهج، بحسب شهادات حقوقية، ليس سوى أداة ممنهجة لتدمير النسيج الاجتماعي الفلسطيني، عبر تحويل العائلة – التي لطالما كانت الحصن الأول للمقاومة والصمود – إلى ساحة صراع وضغط. فإما أن تتفتت من الداخل بقبول التعاون، أو تدفع ثمن التماسك الجماعي بالمجازر.

البعد الحقوقي: نهج إبادي متصاعد

منظمات حقوقية رصدت هذه السياسة، ووصفتها بأنها ابتزاز ممنهج يرتقي إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. فالاحتلال يضع المدنيين أمام خيارين لا ثالث لهما: الخيانة أو الموت. وهو ما يشكل نموذجاً لـ”النمط الإبادي المتصاعد”، حيث يتحول القتل والتجويع والتهجير إلى أدوات سياسية لإخضاع المجتمع.

تقرير حديث للمرصد الأورومتوسطي أشار إلى أن الاحتلال لم يعد يكتفي باستخدام القصف والحصار، بل أصبح يربط المساعدات الإنسانية وحق البقاء في “مناطق آمنة” بشرط التعاون الأمني، في خرق واضح لكل القوانين الدولية التي تضمن للمدنيين الحماية الكاملة أثناء النزاعات المسلحة. وبذلك تتحول المساعدات – التي هي حق إنساني غير مشروط – إلى وسيلة ابتزاز منظم.

فشل استراتيجية الاحتلال

رغم كل ما سبق، تكشف هذه الممارسات عن مأزق الاحتلال الاستراتيجي. فبعد شهور طويلة من القصف المتواصل، لم يتمكن من كسر صمود المجتمع الغزي أو القضاء على المقاومة. لذا يلجأ الآن إلى تجنيد العائلات أملاً في خلق جزر موالية داخل النسيج الفلسطيني. غير أن ردود العائلات حتى الآن – بالرفض الجماعي – تشير إلى أن هذا المخطط يواجه مقاومة صلبة، بل قد يأتي بنتائج عكسية، إذ يعزز من تماسك المجتمع ضد العدو المشترك.

هذا الفشل ليس جديداً؛ فقد حاول الاحتلال عبر عقود طويلة إنشاء “روابط قروية” أو مليشيات محلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه اصطدم دائماً برفض اجتماعي شامل اعتبر التعاون خيانة وطنية لا تغتفر. واليوم يعيد إنتاج التجربة نفسها في غزة، لكن في ظروف أشد قسوة، ليكتشف مرة أخرى أن الدماء لا يمكن أن تتحول إلى أداة طيّعة لفرض الاستسلام.

الحرب النفسية وتفكيك الروابط

الخطورة في هذه السياسة تكمن في البعد النفسي والاجتماعي، فهي لا تستهدف فقط من يرفض التعاون، بل تضغط على المحيط بأكمله. فعندما تُقصف عائلة كاملة بعد رفضها التعاون، يصبح كل مختار وكل وجيه تحت تهديد مباشر: إما أن يخضع أو يعرّض عائلته للإبادة.

بهذا يهدف الاحتلال إلى زرع حالة من الشك المتبادل داخل المجتمع الفلسطيني، بحيث تبدأ العائلات في التساؤل: من استجاب؟ ومن رفض؟ ومن قد يكون سبباً في استهدافنا؟ وهو ما يسعى الاحتلال من خلاله إلى تفكيك التضامن الاجتماعي الذي شكّل العمود الفقري لصمود غزة طوال سنوات الحصار والحروب.

خلاصة: بين الصمود والخيانة

إن تخيير العائلات الفلسطينية بين التعاون أو النزوح والاستهداف يكشف عن طبيعة الاحتلال الاستعمارية والإبادية، التي لا تكتفي بقتل الأجساد بل تستهدف تدمير الروابط الاجتماعية وإعادة تشكيلها بما يخدم مشروعها. غير أن الوقائع تثبت أن المجتمع الغزي، رغم الجراح والمجازر، لا يزال يرفض الانجرار إلى مربع الخيانة، مفضلاً الموت على أن يتحول إلى أداة في يد من يقتله.

في النهاية، قد ينجح الاحتلال في ارتكاب المزيد من المجازر، لكنه يفشل في تحقيق هدفه الأعمق: كسر إرادة الفلسطينيين وتحويل عائلاتهم إلى أدوات خاضعة. وعلى العكس، فإن كل جريمة جديدة تضيف طبقة أخرى من الوعي الشعبي بأن الصمود – مهما كان ثمنه – أقل كلفة من خيانة الدم والأرض.

اقرأ أيضًا : ميليشيا مدعومة من الإمارات تغلق صحيفة يومية وتداهم فعالية نسوية في اليمن