في لحظة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، كشفت صحيفة عبرية عن حجم القلق المتراكم داخل المؤسسة الإسرائيلية من مستقبل قطاع غزة، في ظل التحركات الأمريكية الأخيرة، وخطط ما يُسمى بـ”مجلس السلام”، وما يرافقها من محاولات لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني بعد الحرب. هذا القلق لم يأتِ فقط من فشل عسكري أو إخفاق أمني، بل من إدراك متأخر لحقيقة صمود المقاومة، وقدرتها على المناورة، والبقاء، وإعادة ترتيب صفوفها رغم كل الضغوط.

مجلس السلام وخطة فرض واقع جديد
تطرح الصحيفة الإسرائيلية رؤية تقوم على أن الإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، تسعى لتجاوز المؤسسات الدولية التقليدية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، عبر إنشاء “مجلس السلام” ليكون المرجعية الأساسية لإدارة الوضع في غزة. ووفق هذا التصور، يتولى المجلس الإشراف على وقف إطلاق النار، ونشر قوات دولية، وتهيئة حكم مدني بديل، تمهيدًا لإعادة الإعمار.
لكن خلف هذا الطرح، تكمن محاولة واضحة لفرض واقع سياسي وأمني جديد، يهدف إلى إخراج المقاومة من المعادلة، وتحويل غزة إلى كيان منزوع الإرادة، خاضع لإدارة دولية، تتحكم في مفاصله الاقتصادية والأمنية.
غير أن الصحيفة نفسها تعترف بأن هذه الخطة، رغم ضخامتها على الورق، تفتقر إلى الضمانات الواقعية، وتواجه عقبات ميدانية وسياسية يصعب تجاوزها.
نزع السلاح.. الوهم الإسرائيلي المتكرر
تضع الصحيفة مسألة نزع سلاح المقاومة في صدارة أولوياتها، وتعتبرها “الشرط الحاسم” لأي تقدم في الملفات الأخرى، سواء إعادة الإعمار أو الاستقرار أو الترتيبات السياسية. إلا أنها، في الوقت نفسه، تعترف بعدم وجود أي مؤشرات فعلية على استعداد المقاومة للتخلي عن سلاحها.
وتقر بأن جميع التعهدات المتداولة حول نزع السلاح تصدر عن أطراف دولية أو إقليمية، وليس عن قيادة المقاومة نفسها. بل تؤكد أن تصريحات الحركة المعلنة، وسلوكها الميداني، يسيران في الاتجاه المعاكس تمامًا، حيث تواصل تعزيز قدراتها وترميم بنيتها التنظيمية.
هذا الاعتراف يعكس إدراكًا إسرائيليًا متزايدًا بأن شعار “نزع السلاح” تحول إلى أمنية سياسية أكثر منه مشروعًا قابلًا للتنفيذ.
الهدوء المضلل ورهان الإعمار
ترى الصحيفة أن المجتمع الدولي، وواشنطن تحديدًا، لا يهتم كثيرًا بجذور الصراع أو بمعادلات القوة الحقيقية في غزة، بقدر ما يركز على تحقيق “هدوء مؤقت” يسمح بإطلاق مشاريع الإعمار والاستثمار.
ويعتمد هذا الرهان على فكرة أن تدفق الأموال والمشاريع سيؤدي إلى خلق ضغط شعبي داخلي على المقاومة، يدفعها إلى التنازل أو التفكك. غير أن الصحيفة نفسها تعترف بأن هذا الرهان غير واقعي، ولا ينسجم مع طبيعة المجتمع الفلسطيني وتجربته الطويلة مع الحصار والحروب.
فغزة، وفق هذا الاعتراف، لم تُهزم اقتصاديًا رغم سنوات الخنق، ولم تتخلَّ عن خيار المقاومة رغم الدمار، ما يجعل من التعويل على “الإعمار كبديل عن التحرر” وهمًا سياسيًا جديدًا.
اعتراف صريح بذكاء المقاومة
أخطر ما ورد في المقال العبري هو الإقرار الواضح بأن المقاومة “ذكية بما يكفي للبقاء في الظل”، وإدارة المرحلة بهدوء، وانتظار اللحظة المناسبة لإعادة الظهور بقوة.
هذا الاعتراف يعكس فهمًا متقدمًا داخل بعض الدوائر الإسرائيلية لطبيعة الصراع، حيث لم تعد المواجهة مجرد صدام عسكري مباشر، بل معركة إرادات وصبر واستنزاف طويل المدى.
وتقر الصحيفة بأن المقاومة لا تنجرّ إلى الاستفزازات، ولا تتسرع في المواجهة، بل تتحرك وفق حسابات دقيقة، تستثمر الهدوء لإعادة البناء، وتحافظ على حضورها الشعبي والتنظيمي.
وهذا بحد ذاته يمثل فشلًا استراتيجيًا للاحتلال، الذي كان يعوّل على كسر إرادة المقاومة أو دفعها إلى أخطاء قاتلة.
ارتباك تل أبيب وغياب الرؤية
تعترف الصحيفة بأن إسرائيل لا تمتلك خطة واضحة للتعامل مع الواقع الجديد في غزة، وأن خطاب “الخطوط الحمراء” يبقى مجرد شعارات إعلامية، دون ترجمة عملية على الأرض.
وتشير إلى أن تل أبيب باتت في موقف دفاعي، تهمس بمخاوفها بدل أن تفرض شروطها، وتراقب المسار الأمريكي دون قدرة حقيقية على تعديله.
هذا الارتباك يعكس أزمة داخلية في صنع القرار الإسرائيلي، بين من يريد التصعيد، ومن يخشى الانزلاق إلى مستنقع جديد، ومن يراهن على الحلول الدولية رغم هشاشتها.
فشل الحرب وعودة الأسئلة الكبرى
في جوهره، يكشف هذا المقال العبري عن حقيقة أعمق: الحرب على غزة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية. فالمقاومة ما زالت موجودة، وسلاحها لم يُنزع، وحضورها السياسي لم ينتهِ، بل تعزز في وعي جمهورها.
وتحول الحديث عن “الخطوط الحمراء” إلى اعتراف ضمني بأن إسرائيل فقدت القدرة على فرض معادلاتها بالقوة وحدها، وأنها باتت أسيرة حسابات دولية وإقليمية لا تسيطر عليها بالكامل.
كما يعكس المقال حالة قلق من ضياع ما تسميه إسرائيل “إنجازات الحرب”، في ظل استمرار المقاومة، وتحوّل الإعمار المحتمل إلى فرصة جديدة لتعزيز الصمود بدل كسره.
خلاصة المشهد: مقاومة باقية واحتلال مأزوم
ما تكشفه الصحيفة الإسرائيلية، دون أن تقصده صراحة، هو أن المقاومة في غزة نجحت في تجاوز أخطر مراحل الاستهداف، وفرضت نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله، مهما تعددت المبادرات الدولية.
فالاعتراف بذكائها، وبقدرتها على المناورة، وبعجز الاحتلال عن تفكيكها، يمثل شهادة غير مباشرة على فشل المشروع العسكري والسياسي الإسرائيلي في القطاع.
وفي المقابل، يظهر الاحتلال في حالة تردد وارتباك، يلوّح بالخطوط الحمراء بعدما تآكلت أوراق القوة، ويبحث عن حلول خارجية بعدما عجز عن فرض شروطه داخليًا.
وهكذا، يتحول المقال العبري من دعوة لوضع ضوابط جديدة، إلى وثيقة اعتراف بأزمة استراتيجية عميقة، عنوانها الأبرز: مقاومة صامدة، واحتلال فقد بوصلته في غزة.
اقرأ أيضا : البرهان يعرض العفو على مقاتلي الميليشيا الإماراتية مقابل الاستسلام الكامل