شهدت الضفة الغربية المحتلة فجر اليوم الخميس تصعيداً واسعاً من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث شنت وحدات عسكرية مدججة بالآليات والمدرعات حملات مداهمة واعتقال في مدن وبلدات عدة، شملت جنين ونابلس والخليل وسلواد وبيت تعمر وبيتا وسعير. هذه الاعتقالات لم تكن مجرد حملة اعتيادية كما يحاول الاحتلال تصويرها، بل جاءت في توقيت حساس، حيث يتواصل العدوان الدموي على غزة منذ نحو عام، ويستعر الغضب الشعبي في الضفة، وسط تخوف إسرائيلي من اندلاع انتفاضة جديدة.

اللافت أنّ الاحتلال لم يتورع حتى عن احتجاز شخصيات بارزة في المشهد الفلسطيني، فقد أوقف محافِظة رام الله والبيرة، ليلى غنام، لساعات عند حاجز عطارة شمال رام الله، وأخضعها للتفتيش قبل الإفراج عنها. خطوة تحمل رسالة واضحة مفادها أنّ الاحتلال لا يتردد في توجيه الإهانة حتى للمسؤولين الرسميين، في سياق سياسة ممنهجة هدفها كسر الإرادة الفلسطينية وترويع المواطنين.

تلويح بالحرب.. كاتس يهدد والسيناريوهات تتجه للتصعيد

الرسائل الإسرائيلية لم تقف عند حدود الاعتقالات، بل تجاوزتها إلى تهديدات صريحة بالحرب الشاملة في الضفة الغربية. فقد قال وزير حرب الاحتلال، يسرائيل كاتس، في اجتماع مغلق مع قادة الجيش: “إذا انقلبت الأجهزة الأمنية للسلطة ووجّهت أسلحتها ضدنا، فسنخوض حرباً تنتهي بالحسم ولن نسمح بانتفاضة جديدة.”

هذا التصريح يكشف مدى القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من احتمال انهيار التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية. وتفيد تقارير عبرية أن الجيش تلقى أوامر بإعداد خطط عسكرية “حاسمة” للتعامل مع أي سيناريو متطرف، في إشارة إلى احتمال اندلاع مواجهة مفتوحة مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية أو تفجر انتفاضة شعبية.

ووفق قناة 14 العبرية، ترى أجهزة الأمن الإسرائيلية أنّ عدة عوامل قد تؤدي إلى تفجر الوضع في الضفة، منها: الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين، وتدهور الوضع الاقتصادي في مدن الضفة، إلى جانب مشاهد الإبادة في غزة التي تصب الزيت على نار الغضب الشعبي. بعبارة أخرى، الاحتلال يضع يده على الزناد ويتهيأ لمعركة يعتبرها مكملة للعدوان على غزة.

ثمن الدم في الضفة وغزة: أرقام تكشف الفاجعة

الأرقام الميدانية وحدها تكفي لرسم صورة المأساة. فمنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الشامل في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، استشهد في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة، ما لا يقل عن 1017 فلسطينياً، وأصيب نحو 7 آلاف آخرين، إضافة إلى اعتقال أكثر من 18 ألفاً و500 فلسطيني. هذه الأرقام تعكس حجم الاستهداف المنهجي الذي يحوّل الضفة إلى ساحة حرب صامتة موازية لغزة.

أما في غزة نفسها، فالفاجعة أكبر بكثير: أكثر من 63 ألف شهيد، 161 ألف جريح، 9 آلاف مفقود، ومئات آلاف النازحين، إضافة إلى مجاعة خانقة أودت بحياة مئات بينهم أطفال. هذه الأرقام المروعة لا تنفصل عن الضفة، فالمشهد الفلسطيني اليوم وحدة مترابطة: دم يراق هنا وهناك، وإبادة تتكامل بين غزة المحاصرة والضفة الممزقة.

خيانة عباس: التنسيق الأمني في خدمة الاحتلال

في ظل هذا التصعيد الدموي، يتساءل الشارع الفلسطيني: أين السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس؟ الواقع أنّ وجود عباس بات بالنسبة لكثيرين غطاءً لسياسات الاحتلال، إذ تستمر أجهزته الأمنية في التنسيق مع الجيش الإسرائيلي رغم شلال الدم. هذه السياسة لم تعد تُفسر إلا باعتبارها خيانة صريحة للقضية الفلسطينية.

فبينما يلوّح كاتس بالحرب على الضفة ويهدد الأجهزة الأمنية نفسها، تواصل السلطة لعب دور “الشرطي” الذي يضبط الشارع ويمنع اندلاع انتفاضة، وهو الدور الذي أنقذ الاحتلال مراراً من انفجار شامل كان يمكن أن يغير المعادلة. لكن هذا الدور بات اليوم يواجه امتحاناً خطيراً: إذا انهار التنسيق أو قررت الأجهزة الانحياز لشعبها، فإن الاحتلال نفسه يتوعدها بالحرب.

قراءة تحليلية: الاحتلال في مأزق وجودي

ما يجري اليوم في الضفة ليس حدثاً معزولاً بل هو جزء من مأزق وجودي يعيشه الاحتلال. ففي غزة لم ينجح في كسر المقاومة رغم المجازر، وفي الضفة يخشى أن يؤدي تصاعد الغضب الشعبي إلى انتفاضة ثالثة قد تكون أكثر عنفاً وامتداداً من سابقاتها. تصريحات كاتس ليست مجرد تهديدات، بل هي إقرار ضمني بضعف المنظومة الإسرائيلية أمام خيار المواجهة الشاملة.

الاحتلال يحاول عبر الاعتقالات والتهديدات أن يبعث برسالة “الردع” لكنه يدرك أن الدم الفلسطيني لن يوقفه سوى إرادة شعبية موحدة. ومن هنا تبدو خيانة عباس في هذا السياق أكثر خطورة، لأنها تمنح الاحتلال وقتاً إضافياً للاستفراد بالفلسطينيين، بدلاً من أن تكون السلطة رافعة للمواجهة والتحرر.

خاتمة: نحو لحظة الانفجار

الضفة الغربية اليوم تقف على برميل بارود. حملات الاعتقال اليومية، التهديدات العلنية بالحرب، الانهيار الاقتصادي، وتنامي الغضب الشعبي، كلها عوامل تجعل الانفجار أقرب من أي وقت مضى. الاحتلال يظن أن القبضة الحديدية ستمنع الانتفاضة، لكن التاريخ الفلسطيني يثبت أن الدماء المهدورة تتحول دائماً إلى وقود للمقاومة.

في المقابل، ستبقى خيانة عباس وصمته على جرائم الاحتلال عاراً تاريخياً، وسيُسجل أن السلطة فضلت التنسيق مع القاتل على الانحياز لشعبها. ومع كل شهيد جديد في غزة أو الضفة، يزداد إيمان الفلسطينيين أن الحرية لن تأتي إلا من مقاومة شاملة لا مكان فيها للمساومات أو الخيانات.

اقرأ أيضًا : ريفييرا غزة: مخطط ترامب ونتنياهو لتسويق التطهير العرقي تحت غطاء التنمية