كشفت صحيفة الغارديان البريطانية عن تفاصيل خطة مسربة أعدتها أطراف في واشنطن وتل أبيب تحت اسم “ريفييرا غزة”، والتي تسعى لتسويق مشروع هندسي – اقتصادي على أنه تنمية، فيما هو في جوهره مخطط لتطهير عرقي واسع النطاق وتهجير قسري لسكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني فلسطيني.

التقرير، الذي أعده الصحفيان بيتر بومونت وأليس سبيري، وصف الخطة بأنها “محاولة جنونية” للتغطية على جريمة إبادة جماعية، مدعومة من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وبمشاركة شركات استشارية كبرى.

خطة “التنمية” أم مشروع تهجير شامل؟

الوثيقة المكونة من 38 صفحة، والتي نشرتها صحيفة واشنطن بوست سابقًا، تقترح “النقل المؤقت” لجميع سكان غزة إلى خارج القطاع بحجة إعادة الإعمار. ووفقًا للتقارير، فإن الخطة تتيح تهجير الفلسطينيين “طوعًا” نحو دول أخرى أو إلى مناطق محددة “آمنة”، بينما يُمنح أصحاب الأراضي رموزًا رقمية بديلة عن ممتلكاتهم، لاستخدامها في تمويل حياة جديدة في أماكن أخرى. أما من سيبقون، فسيتم حشرهم في مساكن لا تتجاوز مساحتها 323 قدمًا مربعًا، أي أصغر من بيوت اللاجئين الحالية، في إشارة صريحة إلى تجريدهم من أي حق إنساني في السكن اللائق.

منظمات حقوقية، بينها منظمة ترايل إنترناشونال السويسرية، وصفت الخطة بأنها “مخطط لترحيل جماعي يُسوّق على أنه تنمية”، مؤكدة أن ذلك يرقى إلى “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية”.

رأسمالية الدم: استثمارات على أنقاض الفلسطينيين

المخطط المسرب يتصور مدينة ساحلية صاخبة مقسمة بمجرى مائي، تحيط بها ثماني مدن كبرى مدعومة بالذكاء الاصطناعي، في صورة تحاكي مشروع “نيوم” السعودي. كما يشمل مجمعًا صناعيًا باسم “إيلون ماسك”، يقام على أنقاض منطقة إيريز الصناعية السابقة، التي كانت إسرائيل قد استغلت فيها العمالة الفلسطينية الرخيصة قبل أن تدمرها.

الأكثر إثارة للجدل أن المشروع يُقدر أن يجذب استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار، دون حاجة إلى تمويل أمريكي مباشر. صحيفة هآرتس العبرية سخرت من الخطة ووصفتها بأنها “مخطط ترامبي للثراء السريع قائم على جرائم الحرب والتكنولوجيا”.

مصادرة حق تقرير المصير

في تفاصيل الخطة، يظهر البند الأخطر: عدم التمييز في السيادة بين غزة، وإسرائيل، ومصر. فالنصوص تشير إلى أن دولة الاحتلال ستحتفظ بـ”حقوق شاملة” على غزة بحجة “الاحتياجات الأمنية”، ما يعني نفيًا صريحًا لأي وجود لسيادة فلسطينية أو حق تقرير المصير.

هذا النص يكشف جوهر المشروع: تحويل غزة إلى منطقة بلا هوية، بلا سيادة، وبلا سكان فعليين. إما التهجير الطوعي القسري، أو البقاء في مساحة خانقة تحت حكم أمني مطلق للاحتلال. إنها معادلة “إما الرحيل أو الموت”، كما علّق باحثون على بنود الخطة.

ترامب ونتنياهو: مشروع إبادة مقنّع

الخطة تتوافق مع تصريحات ترامب السابقة عن “تطهير غزة”، وتُظهر أن فكرة التهجير الجماعي لم تغادر طاولة النقاش في البيت الأبيض. مشاركة نتنياهو في هذه الخطة تؤكد أن حكومة الاحتلال ترى في حرب الإبادة الجارية منذ السابع من أكتوبر 2023 فرصة ذهبية لتصفية القضية الفلسطينية ديموغرافيًا، عبر تحويل غزة إلى منتجع استثماري خالٍ من السكان.

المثير أن التخطيط المالي لهذه الخطة ارتبط بمؤسسة “غزة الإنسانية”، التي أُنشئت بدعم أمريكي-إسرائيلي، وقُتل مئات الفلسطينيين أمام مقارها أثناء انتظارهم المساعدات. ما يكشف عن تواطؤ مقصود لتوظيف أدوات “الإغاثة” في تسهيل التهجير.

رفض حقوقي وسياسي واسع: “غزة ليست للبيع”

منظمات حقوقية أمريكية وأوروبية حذّرت الشركات من المشاركة في مثل هذه المشاريع، لأنها قد تُتهم قانونيًا بـ”التواطؤ في جرائم إبادة جماعية”. المحامية الأمريكية كاثرين غالاغر أكدت أن أي شركة تنخرط في هذه الخطة ستكون عرضة للمساءلة بموجب القانون الدولي.

على المستوى الفلسطيني، جاء الرد حاسمًا. باسم نعيم، القيادي في حركة حماس، شدد على أن “غزة ليست للبيع، وغزة جزء من الوطن الفلسطيني الكبير”، رافضًا أي محاولة لتسويق الإبادة تحت مسمى التنمية.

البعد الإماراتي-السعودي في المشروع

الخطة تستغل غرور زعماء مثل ترامب وإيلون ماسك وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي ورد اسمه في الوثيقة ضمن الحلقة الأمنية المحيطة بغزة. وهو ما يعكس محاولة واضحة لدمج مصالح استثمارية خليجية في مشروع يقوم على مصادرة الأرض الفلسطينية وحرمان سكانها من حقهم في الحياة والسيادة.

خلاصة: تنمية زائفة تغطي على جريمة إبادة

خطة “ريفييرا غزة” ليست إلا قناعًا لتطهير عرقي شامل، يقوده نتنياهو وترامب بغطاء اقتصادي واستثماري، ويهدف إلى اقتلاع شعب بأكمله من أرضه. ما يروج له كتنمية هو في الحقيقة مشروع لقتل الهوية الفلسطينية ومصادرة حق تقرير المصير.

إنها حلقة جديدة في مسلسل الإبادة الجماعية المستمرة ضد الفلسطينيين، تُظهر كيف يختلط المال بالسياسة بالدم، وكيف تتحول غزة في نظر مجرمي الحرب إلى “فرصة استثمارية”. لكن الرسالة الفلسطينية تبقى ثابتة: غزة ليست للبيع، ولا مستقبل لهذه المخططات إلا الفشل أمام صمود شعبها.

اقرأ أيضًا : بلطجة وزير الخارجية.. القنصلية المصرية بنيويورك تتحول إلى ساحة اعتداء