في تطور أمني بالغ الخطورة يعكس حجم التحديات التي تواجهها غزة في مرحلة ما بعد العدوان، أعلنت وزارة الداخلية في قطاع غزة، صباح اليوم الاثنين، اغتيال مدير مباحث خان يونس المقدم محمود الأسطل على يد مجموعة متعاونة مع الاحتلال الإسرائيلي، في جريمة وُصفت بأنها محاولة ممنهجة لإعادة إنتاج الفوضى وزعزعة الاستقرار الأمني في القطاع المنكوب.

اغتيال مدبّر ورسائل واضحة

ووفق بيان وزارة الداخلية، فإن عملاء للاحتلال كانوا يستقلون مركبة مدنية أطلقوا وابلاً من الرصاص على المقدم الأسطل (40 عامًا) أثناء تواجده في منطقة المواصي غرب خان يونس، قبل أن يفرّوا من المكان. العملية، بحسب المعطيات الأولية، لم تكن عشوائية، بل جرى التخطيط لها بدقة، في توقيت حساس يشهد فيه القطاع محاولات حثيثة لإعادة ترتيب الوضع الأمني بعد وقف العدوان.

وسارعت الأجهزة الأمنية إلى فتح تحقيق عاجل وملاحقة المنفذين، مؤكدة أن الجريمة تأتي ضمن سلسلة عمليات تستهدف كوادر وضباط الأجهزة الأمنية بهدف خلق فراغ أمني وضرب منظومة الاستقرار الداخلي.

تبنٍّ علني وتهديدات متصاعدة

الخطير في هذه الجريمة لم يقتصر على الاغتيال ذاته، بل في التبني العلني الذي بثه لاحقًا حسام الأسطل، قائد إحدى المجموعات المتعاونة مع الاحتلال شرق خان يونس، في مقطع فيديو ظهر فيه متفاخرًا بتنفيذ العملية، ومطلقًا تهديدات مباشرة بتنفيذ اغتيالات أخرى تطال قادة الأجهزة الأمنية جنوبي القطاع.

هذا التبني العلني يعكس، وفق مراقبين، انتقال الاحتلال وأدواته من العمل السري إلى محاولة فرض “واقع أمني بديل” عبر عصابات محلية مرتبطة به، في سلوك أقرب إلى نماذج الاحتلال غير المباشر وإدارة الفوضى عبر الوكلاء.

سياق متكرر بعد وقف العدوان

ويُعد اغتيال المقدم محمود الأسطل ثاني عملية تستهدف مسؤولًا أمنيًا منذ وقف العدوان على غزة. ففي 14 كانون أول/ديسمبر الماضي، استشهد المقدم أحمد زمزم، الضابط في جهاز الأمن الداخلي، بعد تعرضه لعملية اغتيال في مخيم المغازي وسط القطاع. حينها، أكدت الأجهزة الأمنية أيضًا تورط عملاء للاحتلال في الجريمة.

هذا التكرار الزمني يثير تساؤلات جدية حول استراتيجية الاحتلال في مرحلة “ما بعد الحرب”، حيث يبدو أنه انتقل من سياسة القصف الواسع والاستهداف المباشر، إلى سياسة الاغتيالات الأمنية المدروسة، مستعينًا بعناصر محلية لخفض كلفة المواجهة المباشرة.

الاحتلال وعقيدة تفكيك الداخل

خلال حرب الإبادة التي تعرّض لها قطاع غزة، والتي أسفرت عن استشهاد أكثر من 71 ألف فلسطيني، تعمّد الاحتلال استهداف البنية الأمنية والإدارية للقطاع، ضمن عقيدة واضحة تقوم على تفكيك الداخل وشل قدرة المجتمع على إدارة شؤونه.

وقد اغتيل خلال الحرب عدد من أبرز قيادات الأجهزة الأمنية، من بينهم اللواء محمود صلاح قائد الشرطة الفلسطينية في غزة ونائبه اللواء حسام شهوان، إضافة إلى وكيل وزارة الداخلية اللواء محمود أبو وطفة، ومسؤول جهاز الأمن الداخلي العميد بهجت أبو سلطان. كما استشهد مدير جهاز المباحث في شمال غزة المقدم رائد البنا مع زوجته وأبنائه في جريمة مركّبة حملت أبعادًا انتقامية واضحة.

عصابات الداخل كأداة احتلال

ترى مصادر أمنية أن الاحتلال يسعى، عبر دعم وتمكين مجموعات متعاونة، إلى إعادة إنتاج مشهد “العصابات المسلحة” داخل غزة، مستهدفًا بث الخوف، وإضعاف الثقة بالأجهزة الأمنية، وخلق حالة من الانقسام المجتمعي. ويؤكد مختصون أن هذا النمط ليس جديدًا، بل جُرّب في تجارب احتلالية سابقة، حيث تُستخدم العمالة المحلية لضرب النسيج الداخلي حين يفشل العدوان العسكري المباشر في تحقيق أهدافه.

معركة الأمن لم تنتهِ

اغتيال المقدم محمود الأسطل لا يُقرأ كحادثة منفصلة، بل كحلقة في معركة مفتوحة عنوانها الأمن والاستقرار في غزة. وبينما يراهن الاحتلال على الفوضى والعصابات، تؤكد الأجهزة الأمنية أن هذه الجرائم لن تمر دون حساب، وأن ملاحقة المتورطين ستستمر حتى تفكيك شبكات العمالة وتجفيف منابعها.

في غزة، التي دفعت أثمانًا بشرية هائلة، يبدو واضحًا أن الاحتلال لم يتخلّ عن حربه، بل غيّر أدواتها. غير أن التجربة أثبتت أن محاولات ضرب الداخل لم تنجح يومًا في كسر إرادة مجتمع خبر الاحتلال، واعتاد أن يحوّل الجراح إلى دافع جديد للصمود.

اقرأ أيضًا : إلى متى يستمر القتل والحصار؟ ارتفاع الشهداء في غزة وتحذير أممي من خنق المساعدات