أثار قرار الهيئة المستقلة للانتخاب في الأردن إمهال حزب جبهة العمل الإسلامي ستين يوماً لتغيير اسمه جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحزبية، لا سيما أن القرار يستند إلى المادة 33 من قانون الأحزاب السياسية رقم 7 لسنة 2022، التي تشترط خلو أسماء الأحزاب من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية. وبينما تؤكد الهيئة أن الإجراء يندرج ضمن مسار تصويب الأوضاع القانونية وتعزيز الحاكمية الرشيدة، يرى مراقبون أن المسألة تتجاوز البعد الإداري لتلامس طبيعة العلاقة المتوترة بين الدولة والتيارات الإسلامية في المملكة.

الهيئة أوضحت في بيانها أن اسم الحزب يُعد جزءاً من نظامه الأساسي ويعبر عن هويته السياسية، ما يفرض أن يكون خالياً من الدلالات الدينية. ووفق البيان، فإن الحزب أُخطر بالمخالفة رسمياً في 17 شباط/فبراير الماضي، ويُطلب منه تصويبها خلال مهلة محددة. كما منحت الهيئة ستة أحزاب أخرى مهلة إضافية لمدة أسبوع لتعديل أنظمتها الداخلية واستكمال الإجراءات المطلوبة.

سياق قانون الأحزاب وإعادة هندسة المشهد السياسي

يأتي القرار في إطار تطبيق قانون الأحزاب الجديد الذي أُقر ضمن مسار التحديث السياسي في الأردن، والذي يهدف – بحسب الرواية الرسمية – إلى تعزيز العمل الحزبي المؤسسي وإخضاعه لمعايير الشفافية والحوكمة. وقد شددت الهيئة على أن سجل الأحزاب عُمم منذ حزيران/يونيو الماضي على جميع الأحزاب المسجلة وعددها 34 حزباً، مطالبة بمواءمة أنظمتها الأساسية مع المعايير القانونية الجديدة.

غير أن اسم “جبهة العمل الإسلامي” يكتسب حساسية خاصة، باعتباره الحزب الأبرز المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين التي حُظرت في الأردن العام الماضي. ومن ثم، فإن أي تعديل في هوية الحزب أو اسمه لا يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراء شكلي، بل خطوة تمس رمزية سياسية متجذرة في الحياة العامة الأردنية منذ عقود.

بين الحظر والتنظيم: العلاقة المتوترة مع التيار الإسلامي

منذ قرار حظر جماعة الإخوان المسلمين، دخلت العلاقة بين الدولة والتيارات الإسلامية مرحلة جديدة تتسم بإعادة الضبط القانوني والتنظيمي. وتُقرأ مهلة تغيير الاسم في هذا السياق، حيث يعتبر البعض أن اشتراط إزالة الدلالة الدينية من اسم الحزب يعكس توجهاً رسمياً للحد من حضور الخطاب الإسلامي في المجال الحزبي المنظم.

منتقدو القرار يرون أن اشتراط خلو الاسم من أي بعد ديني قد يُفهم على أنه تضييق على الهوية الفكرية لبعض التيارات، خاصة أن الأحزاب بطبيعتها تعبر عن مرجعيات فكرية وسياسية متنوعة. ويذهب بعضهم إلى اعتبار الخطوة جزءاً من سياسة أوسع لإعادة تشكيل المجال السياسي بحيث يُفصل النشاط الحزبي عن أي مرجعية دينية صريحة.

في المقابل، تدافع السلطات عن موقفها بالقول إن القانون يهدف إلى منع تسييس الدين أو توظيفه في العمل الحزبي، حفاظاً على الوحدة الوطنية ومنع الانقسامات الطائفية أو الأيديولوجية الحادة. ووفق هذا المنطق، فإن حظر الدلالات الدينية في أسماء الأحزاب لا يستهدف تياراً بعينه، بل يندرج ضمن رؤية تنظيمية شاملة.

هوية الحزب بين الثبات والتكيّف

حزب جبهة العمل الإسلامي لم يحسم بعد مسألة تغيير اسمه، رغم انعقاد مجلس شوراه خلال الأسابيع الماضية لمناقشة تعديل النظام الداخلي. وتواجه قيادة الحزب معادلة دقيقة: فالإبقاء على الاسم قد يعرّضه لإجراءات قانونية قد تصل إلى تعليق نشاطه، بينما تغيير الاسم قد يُفسَّر من قاعدته الشعبية على أنه تراجع عن هوية راسخة.

فالاسم بالنسبة للحزب ليس مجرد عنوان إداري، بل يحمل دلالة تاريخية تعكس ارتباطه بالمرجعية الإسلامية وخطابه السياسي. ومن هنا، فإن أي تعديل سيستدعي إعادة تعريف صورته أمام جمهوره، وربما إعادة صياغة خطابه بما يتلاءم مع البيئة القانونية الجديدة.

هل يعكس القرار عداءً لكل ما هو إسلامي؟

يرى بعض المحللين أن الإجراءات الأخيرة، سواء بحظر الجماعة سابقاً أو إلزام الحزب بتغيير اسمه حالياً، تعكس توجهاً رسمياً متشدداً تجاه التيارات الإسلامية. ويذهب هؤلاء إلى أن الدولة تسعى إلى تحجيم النفوذ الإسلامي في المجال العام، وإعادة رسم حدود النشاط السياسي بعيداً عن أي مرجعية دينية مباشرة.

غير أن توصيف الأمر على أنه “عداء لكل ما هو إسلامي” يظل محل نقاش. فالأردن، من حيث الإطار الدستوري والاجتماعي، يُعرّف نفسه كدولة ذات مرجعية إسلامية في هويتها العامة، كما أن الحياة الدينية والمؤسسات الشرعية لا تزال جزءاً من البنية الرسمية. وعليه، فإن الجدل يدور أساساً حول حدود توظيف الدين في العمل الحزبي، لا حول الدين ذاته.

مستقبل الأحزاب في ظل التشريعات الجديدة

تعكس هذه التطورات اتجاهاً نحو إعادة هندسة المشهد الحزبي الأردني وفق قواعد قانونية أكثر صرامة. فالهيئة شددت على أنها ستطبق الأحكام المنصوص عليها بحق أي حزب لا يلتزم بتزويد سجل الأحزاب بالوثائق والتعديلات المطلوبة بعد انقضاء المهلة.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة الأحزاب، وخصوصاً ذات الخلفيات الأيديولوجية الواضحة، على التكيّف مع البيئة القانونية الجديدة دون فقدان هويتها أو قاعدتها الشعبية. كما سيُختبر مدى التزام السلطات بتطبيق القانون على جميع الأحزاب دون استثناء، لضمان ألا يُفهم الأمر باعتباره استهدافاً انتقائياً.

في المحصلة، لا يبدو قرار إمهال جبهة العمل الإسلامي مجرد إجراء إداري عابر، بل محطة جديدة في مسار إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والحركة الإسلامية في الأردن. وبين من يراه خطوة إصلاحية ضرورية، ومن يعتبره تضييقاً سياسياً، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات عدة خلال الأسابيع المقبلة، رهن بما سيتخذه الحزب من قرار بشأن اسمه وهويته المستقبلية.

اقرأ أيضًا : في ليالي رمضان.. المستوطنون يحرقون أماكن بالخليل ويصعّدون حرب التهجير المنهجي