في بيان هو الأشد لهجة منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، حمّلت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) المسؤولية الكاملة عن المجاعة المتفشية في القطاع لكل من الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه الإقليميين والدوليين، مؤكدة أن نظام المساعدات المعتمد حاليًا هو “نظام يخدم أهدافًا سياسية وعسكرية” وليس نظامًا إنسانيًا.

أجساد الأطفال.. ضحايا نظام مساعدات “قاسٍ”

بدأ بيان الأونروا مساء الجمعة بجملة لافتة: “مجاعة جماعية مُدبّرة ومُتعمدة”، في تأكيد على أن ما يحدث في غزة ليس نتيجة ظرف طارئ، بل خطة ممنهجة لتجويع السكان. ووصفت الوكالة النظام الحالي لتوزيع المساعدات، المسمى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” والمدعوم إسرائيليًا وأمريكيًا، بأنه “غير مصمم لمعالجة الأزمة الإنسانية”، بل يخدم أهدافا “عسكرية وسياسية”، ويمارس “قساوة ممنهجة تزهق أرواحا أكثر مما تنقذها”.

الوكالة، التي تمثل واحدة من أبرز الهيئات العاملة في القطاع منذ عقود، أكدت أن الاحتلال يسيطر على كل جوانب إدخال المساعدات، سواءً من الخارج أو داخل غزة، ما يجعل الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الأخرى عاجزة عن التحرك المستقل. 

والنتيجة؟ مئات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون في مجاعة مفتوحة، فيما تموت أعداد متزايدة من الأطفال يوميًا، كما حدث هذا الأسبوع حين أعلنت وزارة الصحة في غزة استشهاد تسعة فلسطينيين، بينهم طفلان، خلال 24 ساعة فقط جراء الجوع.

مؤسسة غزة الإنسانية: الغطاء الأمريكي-الإسرائيلي لحصار إنساني

تعود تفاصيل هذا النظام البديل إلى شهر مايو/ أيار 2025، عندما أعلنت سلطات الاحتلال – بدعم مباشر من الولايات المتحدة – عن تفعيل مؤسسة “غزة للإغاثة الإنسانية” لتكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن توزيع المساعدات في القطاع، مستبعدة الأونروا وكل الهيئات الأممية الأخرى. هذه المؤسسة، التي تُدار من خارج غزة ولا تضم أي تمثيل فلسطيني أو أممي، ترتبط بشكل وثيق بالاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية، وتُستخدم وفقًا لتقارير عديدة كأداة للضغط السياسي والعقاب الجماعي.

الأمم المتحدة رفضت منذ البداية هذا الكيان، وأكدت مرارًا أنه لا يتمتع بأي مصداقية إنسانية، بل هو امتداد لسياسات الحصار والتجويع الممنهج. وعلى الرغم من المطالبات المتكررة بإعادة تفعيل الآلية السابقة التي تشرف عليها الأمم المتحدة لتوزيع المساعدات، تصرّ إسرائيل على تمرير مساعداتها عبر هذا المسار الوحيد، الذي تحوّل إلى وسيلة للتمييز والانتقاء بين المناطق والسكان، حسب الولاءات والمواقف السياسية.

وفي هذا السياق، قالت الأونروا إن لديها حاليًا أكثر من 6 آلاف شاحنة محملة بالغذاء والدواء متوقفة في مصر والأردن، منذ أسابيع، دون أن تتمكن من الدخول إلى غزة بسبب الرفض الإسرائيلي وإغلاق المعابر منذ 2 مارس/ آذار الماضي.

دور القاهرة وعمّان في استكمال الحصار

لكن الصورة لا تكتمل دون الحديث عن الدور الإقليمي. فبينما تُكدّس شاحنات المساعدات في مصر والأردن، ترفض الحكومتان – بالتواطؤ أو بالضغط – تمرير هذه الشحنات إلا من خلال “مؤسسة غزة الإنسانية”. 

عبد الفتاح السيسي، الذي يسيطر على معبر رفح بشكل كامل، أغلقه منذ أشهر في وجه مئات الشاحنات التي تحمل الغذاء والدواء، رغم تعهدات سابقة بإبقائه مفتوحًا في الحالات الإنسانية.

ورغم وجود تنسيق بين الأمم المتحدة والحكومة المصرية، إلا أن القاهرة أظهرت التزامًا كاملًا بـ”شروط الاحتلال”، وفقًا لتقارير دبلوماسية مسربة، خاصة أن السيسي يسعى لكسب رضا الإدارة الأمريكية في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الدولية له على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان داخل مصر.

أما الملك عبد الله الثاني، فقد تبنّى موقفًا مشابهًا، إذ لم يسمح حتى الآن بدخول المساعدات العالقة في الأردن إلا ضمن الشروط الإسرائيلية. ويبدو أن النظام الأردني، الذي يعاني من ضغوط اقتصادية وابتزازات سياسية غربية، فضّل الانحياز إلى صمت استراتيجي يجنبه الصدام مع واشنطن وتل أبيب، حتى وإن كان على حساب أرواح الجياع في غزة.

سياسة التجويع.. أداة عسكرية إسرائيلية

منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم تتوقف إسرائيل عن استخدام سلاح التجويع ضمن أدوات حرب الإبادة ضد سكان القطاع. أكثر من 203 ألف شهيد وجريح، 9 آلاف مفقود، ونزوح أكثر من نصف السكان، هي حصيلة حرب لا تزال مستمرة بدعم أمريكي سياسي وعسكري مباشر.

لكن المجاعة، على بشاعتها، ليست عرضًا جانبيًا، بل وسيلة عسكرية مقصودة لكسر إرادة السكان ودفعهم للقبول بشروط الاحتلال، بما في ذلك نزع السلاح، القبول بالحكم البديل، والتخلي عن فكرة العودة أو التحرير.

وفي هذا السياق، فإن نظام “مؤسسة غزة الإنسانية” ليس إلا واجهة جديدة لفرض الوقائع بالقوة، وفرض نظام جديد للوصاية على القطاع، عبر أدوات ظاهرها الإغاثة وجوهرها السيطرة.

ختامًا: هل تبقى الأمم المتحدة صامتة؟

مع تصاعد التحذيرات من مجاعة شاملة، وسقوط الأطفال يوميًا بسبب الجوع، يصبح الصمت الدولي أكثر فجاجة. تصرخ الأونروا اليوم بأعلى صوتها أن المجاعة “مُدبّرة ومُتعمدة”، ولكن هل ستتحرك الأمم المتحدة والمجتمع الدولي؟ أم سيستمر نظام المساعدات الحالي – الإسرائيلي-الأمريكي-المصري-الأردني – في خنق غزة باسم “العمل الإنساني”؟

اقرأ أيضا :  “رواية الجوع الكاذبة تنهار”.. تحليل حكومي أمريكي يدحض مزاعم الاحتلال بسرقة المساعدات