كشف موقع “ديكلاسيفيد” عن عقد رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي السابق، أفيف كوهافي، اجتماعات خاصة مع كبار محرري وسائل الإعلام البريطانية الكبرى، بهدف الترويج للرواية الإسرائيلية حول الحرب على غزة. 

اللقاءات، التي تمّت في نوفمبر 2023، جاءت بعد شهر من بدء القصف المكثّف على القطاع، حيث قُتل أكثر من 10,000 فلسطيني.

وبحسب التسريبات، فقد التقى كوهافي مع كاثرين فاينر، رئيسة تحرير صحيفة “الغارديان”، وريتشارد بورغيس، مدير محتوى الأخبار في “بي بي سي”، ورولا خلف، رئيسة تحرير “فايننشال تايمز”. 

كما خطط لعقد اجتماعات إضافية مع ديفيد رودس، رئيس مجلس إدارة “سكاي نيوز”، ووزير الخارجية البريطاني في الظل ديفيد لامي، داخل السفارة الإسرائيلية في لندن.

هذه الاجتماعات تعكس جهود الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لاختراق المنظومة الإعلامية الغربية، والتأثير في طريقة تناول الأحداث في فلسطين، بحيث تكون الرواية الإسرائيلية هي السائدة، حتى في ظل الأدلة الواضحة على جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات الاحتلال. 

ويرى مراقبون أن هذه التحركات ليست معزولة عن السياسات التي انتهجتها “إسرائيل” على مدار عقود، حيث تعمل باستمرار على توجيه الرأي العام عبر وسائل الإعلام الكبرى لضمان ترويج خطابها الرسمي، والتغطية على الانتهاكات التي ترتكبها بحق الفلسطينيين.

الإعلام البريطاني وتبني الدعاية الإسرائيلية

لم تكن هذه اللقاءات السرّية سوى حلقة في سلسلة طويلة من المحاولات الإسرائيلية للسيطرة على السرد الإعلامي في الغرب، لا سيما في المملكة المتحدة، حيث لعب الإعلام البريطاني دورًا واضحًا في تبنّي الرواية الإسرائيلية منذ بداية العدوان. 

على مدار الأسابيع الأولى من الحرب، عمدت قنوات مثل “بي بي سي” وصحيفة “الغارديان” وغيرها من المؤسسات الإعلامية البريطانية إلى تبرير الهجمات الإسرائيلية من خلال التركيز على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، بينما تجاهلت تمامًا السياق الأوسع المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي والقمع الممنهج ضد الفلسطينيين.

لم تقتصر الدعاية على الخطاب السياسي فحسب، بل تعدّتها إلى تغطية إعلامية مشوّهة، حيث تمّ التقليل من أعداد الضحايا الفلسطينيين أو التشكيك فيها، في حين تمّ تضخيم أي حادث أمني يقع داخل “إسرائيل”. 

كما امتنعت بعض وسائل الإعلام الكبرى عن وصف القصف الإسرائيلي بأنه استهداف للمدنيين، رغم أن المنظمات الحقوقية الدولية وثّقت وقوع مئات المجازر ضد العائلات الفلسطينية.

لكن مع تصاعد القتل الجماعي، وانتشار الصور المروّعة للأطفال والنساء تحت الأنقاض، بدأت بعض وسائل الإعلام الغربية في تغيير نبرتها، خاصة بعد الانتقادات الواسعة من الجمهور والنشطاء الحقوقيين. 

اضطرّت بعض المؤسسات الصحفية إلى تبنّي تغطية أكثر توازنًا، وإن كان ذلك بشكل محدود، بعد أن أصبحت الرواية الإسرائيلية غير قابلة للتصديق في ظل الفظائع المرتكبة في غزة.

الفصل التعسفي لمن يناصر القضية الفلسطينية

إلى جانب الترويج للدعاية الإسرائيلية، لجأت المؤسسات الإعلامية البريطانية إلى ممارسات قمعية بحق الصحفيين الذين أظهروا تعاطفًا مع القضية الفلسطينية أو سعوا إلى تقديم تغطية أكثر موضوعية للحرب. 

فقد شهدت الأشهر الأخيرة حالات فصل تعسفي للعديد من الصحفيين الذين عبّروا عن مواقف مناصرة للفلسطينيين أو رفضوا الامتثال الكامل لخط التحرير الداعم لإسرائيل.

على سبيل المثال، قامت “بي بي سي” بإيقاف عدد من المراسلين بعد نشرهم منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تنتقد العدوان الإسرائيلي. كما واجه صحفيون في “الغارديان” و”فايننشال تايمز” ضغوطًا داخلية شديدة بسبب محاولاتهم تقديم وجهة نظر متوازنة حول الحرب. 

هذه السياسات تكشف مدى تغلغل النفوذ الإسرائيلي داخل المؤسسات الإعلامية الغربية، حيث يتمّ إسكات الأصوات المستقلة أو المعارضة تحت ذرائع “الحياد الصحفي”، بينما يُسمح بالتحيّز الواضح لصالح الاحتلال.

ختامًا: الإعلام كأداة في الحرب

لا يمكن فصل هذه الأحداث عن الدور التقليدي الذي يلعبه الإعلام في النزاعات المسلحة، حيث تتحوّل بعض المؤسسات الصحفية إلى أدوات للدعاية بدلاً من القيام بدورها الأساسي في نقل الحقيقة. 

إن اللقاءات السرّية التي عقدها كوهافي مع محرري الإعلام البريطاني، وما تبعها من فصل تعسفي للصحفيين المؤيدين لفلسطين، تعكس استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي في توظيف الإعلام كسلاح في معركته لتبرير جرائمه. 

ورغم بعض التغييرات المحدودة في التغطية، لا يزال الإعلام الغربي بحاجة إلى مساءلة حقيقية حول استقلاليته، ومدى خضوعه للضغوط السياسية والدبلوماسية التي تفرضها “إسرائيل” وحلفاؤها.

اقرأ أيضًا : تصاعد المقاومة في الضفة.. إسرائيل تشكك بقدرة السلطة وتؤكد أنها وحدها من يستطيع المواجهة