في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز المشهد المحلي، سيطرت ميليشيا “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعومة من دولة الإمارات، الثلاثاء، على ميناء نشطون الاستراتيجي بمحافظة المهرة، أقصى شرق اليمن، والمطل على بحر العرب، قرب الحدود مع سلطنة عُمان. هذه التطورات لا يمكن فصلها عن مسار أوسع لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية والعسكرية لشرق اليمن، في سياق صراع نفوذ إقليمي تقوده أبوظبي، ويعيد إنتاج مشهد الميليشيات على حساب الدولة اليمنية.

ميناء استراتيجي خارج الحسابات المحلية
بحسب مصدر محلي مسؤول، فإن قوات الانتقالي اقتحمت ميناء نشطون، الميناء الرئيسي في محافظة المهرة، وأجبرت قوات “درع الوطن” المدعومة من السعودية على مغادرته، بعد أيام فقط من تسلّمه من القوات الحكومية. ويُعد ميناء نشطون أحد أهم المنافذ البحرية اليمنية على بحر العرب، إذ يعمل منذ عام 1984، وكان يشكّل رئة اقتصادية وتجارية للمحافظة، ونقطة وصل بين اليمن ودول الخليج.
السيطرة على هذا الميناء لا تعني مجرد تغيير في ميزان القوى المحلي، بل تمثل تحوّلًا استراتيجيًا في خريطة النفوذ شرق اليمن، خاصة أن المهرة ظلت لسنوات بعيدة نسبيًا عن خطوط المواجهة العسكرية المباشرة، ومحصّنة اجتماعيًا من تغوّل الميليشيات.
طرد قوات موالية للرياض… وصراع نفوذ مكشوف
ولم تكتفِ ميليشيا الانتقالي بالسيطرة على الميناء، بل عمدت إلى طرد قوات “درع الوطن” من حاجز عسكري في منطقة الأنفاق، على الطريق الرابط بين مديريتي حصوين والغيظة، عاصمة المهرة. هذه الخطوة تعكس بوضوح احتدام الصراع بين أبوظبي والرياض على النفوذ في شرق اليمن، بعد سنوات من تقاسم الأدوار في الجنوب.
فرغم أن السعودية حاولت تقديم “درع الوطن” كقوة محلية لحماية المهرة ومنع سقوطها بيد الانتقالي، إلا أن الواقع الميداني يُظهر أن الكفة تميل لصالح الميليشيات المدعومة إماراتيًا، التي تتحرك بثقة وتدفع بتعزيزات عسكرية جديدة نحو المحافظة، في مسعى واضح لإحكام السيطرة الكاملة عليها.
المهرة… الهدف الصامت للمشروع الإماراتي
تكتسب محافظة المهرة أهمية استثنائية في الحسابات الإقليمية، فهي ثاني أكبر محافظات اليمن مساحة، وتمتلك أطول شريط ساحلي على بحر العرب بطول يقدّر بنحو 560 كيلومترًا، فضلًا عن منفذين بريين مع سلطنة عُمان. هذه الخصائص تجعلها بوابة استراتيجية بالغة الحساسية، سواء من حيث التجارة أو الأمن أو خطوط الطاقة المحتملة.
ومنذ سنوات، تنظر أبوظبي إلى سواحل اليمن الشرقية باعتبارها حلقة أساسية في مشروعها للهيمنة على الموانئ وخطوط الملاحة في بحر العرب وخليج عدن، من عدن والمخا غربًا، إلى سقطرى والمهرة شرقًا. وفي هذا السياق، يبدو الانتقالي مجرد أداة تنفيذ ميدانية لمخططات تتجاوز بكثير شعارات “التمثيل الجنوبي” أو “استعادة الدولة”.
تفكيك الدولة عبر الميليشيات
تكشف سيطرة ميليشيا الانتقالي على ميناء نشطون عن حقيقة الدور الإماراتي في اليمن، القائم على تفكيك مؤسسات الدولة، وإحلال كيانات مسلحة موالية لها محل القوات النظامية. فبدل دعم سلطة مركزية قادرة على إدارة الموانئ وتأمين السواحل، تُدفع البلاد نحو مزيد من التشظي، حيث يتحول كل مرفق سيادي إلى غنيمة بيد ميليشيا.
هذا النمط لا يهدد وحدة اليمن فحسب، بل يفتح الباب أمام صراعات إقليمية أكثر تعقيدًا، ويضع سلطنة عُمان أمام تحديات أمنية مباشرة، في ظل اقتراب قوى غير منضبطة من حدودها البرية والبحرية.
صمت دولي… وأسئلة مفتوحة
ورغم خطورة ما جرى، يلفّ الصمت الدولي هذه التطورات، في وقت تُرفع فيه شعارات “دعم الاستقرار” و”الحل السياسي”. غير أن السيطرة على الموانئ بالقوة، وطرد قوات أخرى دون أي غطاء قانوني، ينسف عمليًا أي حديث عن تسوية شاملة أو دولة جامعة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة ما حدث في ميناء نشطون كحادثة عسكرية عابرة، بل كحلقة جديدة في مشروع إماراتي يسعى لفرض أمر واقع بالقوة، عبر ميليشيا الانتقالي، على حساب سيادة اليمن واستقرار الإقليم بأكمله. شرق اليمن، الذي ظل لسنوات خارج دائرة النار، يبدو اليوم أمام مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الأبرز: الموانئ أولًا، والدولة آخرًا.
اقرأ أيضا : قمع قيس سعيّد يتواصل: الإفراج عن 20 موقوفًا وسجن 4 على خلفية احتجاجات القيروان