في مشهد يعكس عمق الانهيار الأمني في السودان واستمرار تمدد النزاع المسلح بدفع خارجي، وفي مقدّمته الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع؛ تجددت صباح اليوم المعارك في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، مع إعلان قوات الدعم السريع سيطرتَها على ثلاثة محاور رئيسية، وحصارها مقرّ الفرقة 22 التابعة للجيش السوداني، وسط تفاقم المأساة الإنسانية وتواصل موجات النزوح في البلاد.

هجوم مباغت ومعارك عنيفة

وبحسب مصادر عسكرية تحدّثت للجزيرة، فقد بدأت قوات الدعم السريع هجوماً مباغتاً على مواقع الجيش في بابنوسة في وقت مبكر من الفجر، تزامناً مع قصف متقطع استهدف مقر قيادة الفرقة 22 داخل المدينة. وقالت المصادر إن الجيش تمكن من التصدي للهجوم الأول، غير أن الاشتباكات ما زالت مستمرة في عدة أحياء، وسط حالة من الذعر بين المدنيين الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين نيران الطرفين.

وفي المقابل، أعلن الدعم السريع في بيان له أنه بسط السيطرة الكاملة على ثلاثة محاور في المدينة، مؤكداً أنه “يحكم الطوق” على مقر الفرقة 22، وأنه أسقط طائرة مسيّرة تتبع للجيش في أجواء بابنوسة صباح اليوم. ويأتي هذا التصعيد بعد سلسلة مكاسب ميدانية حققها الدعم السريع في ولايات دارفور وكردفان خلال الأشهر الأخيرة، مدعوماً –كما تشير تقارير دولية– بأسلحة وتمويل إماراتي يُمدّ خطوط الحرب بالوقود ويُطيل أمد الصراع.

اعتقالات وتعسف بحق المدنيين

وفي تطور مقلق آخر، أفادت شبكة أطباء السودان بأن قوات الدعم السريع تحتجز سبع أسر مدنية في بابنوسة، بينها نساء وأطفال، بحجة انتماء أقاربهم للجيش السوداني. ووصفت الشبكة هذه الاعتقالات بأنها “استمرار لنهج العقاب الجماعي الذي تتبعه قوات الدعم السريع بحق المدنيين”، محذّرة من أن هذه الممارسات تعمّق الانقسام وتفاقم جرائم الحرب في المنطقة.

كارثة إنسانية تتفاقم

الأبعاد الإنسانية للتصعيد لا تقل خطورة عن التطورات الميدانية. فقد ناشد مفوض العون الإنساني بولاية النيل الأبيض، أحمد إدريس، المنظمات الدولية التدخل العاجل لدعم آلاف النازحين الفارين من ولايات كردفان وشمال دارفور. وقال إدريس في حديث للجزيرة إن الولاية استقبلت نحو 20 ألف نازح جديد خلال الأيام الأخيرة، إضافة إلى 3 ملايين نازح موجودين أصلاً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

كما تتواصل موجات النزوح من مدينة الفاشر – التي سقطت بيد الدعم السريع في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي – ومنها خرج نحو 57 ألف نازح باتجاه الولاية الشمالية وحدها.

من جانبها، قالت منظمة أنقذوا الأطفال إن مئات الأسر فرّت خلال اليومين الماضيين من الفاشر إلى منطقة طويلة، مشيرة إلى أن كوادرها قدمت وجبات غذائية لا تكفي سوى ثلاثة أيام فقط، وأن أكثر من 350 أسرة وصلت في حالة منهكة وتحتاج لرعاية عاجلة.

الفاشر.. المدينة التي تختصر مأساة السودان

تُعدّ مدينة الفاشر أكبر مدن إقليم دارفور وأكثرها تضرراً منذ اندلاع الحرب. فبعد سقوطها بيد الدعم السريع في أكتوبر الماضي، وثّقت منظمات محلية ودولية مجازر بحق المدنيين وعمليات تهجير واسعة نفّذتها قوات الدعم، وسط تحذيرات أممية من مخطط يهدف إلى تكريس تقسيم جغرافي وسياسي في البلاد.

يسيطر الدعم السريع اليوم على كل ولايات دارفور الخمس تقريباً، باستثناء جيوب محدودة شمالي دارفور لا يزال الجيش يحتفظ بها. أما الجيش، فيسيطر على معظم ولايات السودان الـ13 الأخرى الممتدة في الوسط والشمال والشرق والجنوب، بما فيها العاصمة الخرطوم، رغم الدمار الواسع الذي تعرضت له.

حرب مُستدامة بتمويل خارجي

يشير مراقبون إلى أن هذا التوسع العسكري السريع لقوات الدعم السريع لم يكن ليحدث لولا الدعم الضخم الذي تتلقاه من الإمارات، سواء عبر الأسلحة، المسيرات، خطوط الإمداد، أو الدعم اللوجستي الذي وثّقته تقارير الأمم المتحدة ووسائل إعلام دولية. ويقول محللون إن الدور الإماراتي في السودان لا يقتصر على دعم طرف عسكري ضد آخر، بل يسهم عملياً في إدامة الحرب وتفكيك الدولة وتمكين اقتصاد الميليشيات عبر خلق مناطق نفوذ تحكمها شبكات تهريب الذهب والسلاح والبشر.

هذا التمويل الخارجي يخلق معادلة خطيرة: كلما اشتد الضغط الدولي على الدعم السريع، يزيد اعتماده على داعميه الإقليميين، وفي مقدمتهم أبوظبي التي يصفها ناشطون سودانيون بأنها “المستفيد الأول من استمرار الفوضى” في الإقليم.

السودان في مفترق خطير

منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في 15 أبريل 2023، قُتل عشرات الآلاف، وشُرّد نحو 13 مليون شخص، في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحالي. ومع سقوط مدن جديدة وتواصل المعارك في كردفان ودارفور، تبدو البلاد على أعتاب تفكك محتمل ما لم يتوقف تدفق السلاح الخارجي وتبدأ عملية سياسية حقيقية توقف نزيف الدم.

بابنوسة اليوم ليست مجرد معركة جديدة، بل حلقة أخرى في حرب طويلة لا تبدو قريبة من نهايتها، طالما أن الجهات التي تؤجّجها – وفي مقدمتها الإمارات – مستمرة في ضخ المال والسلاح، فيما يدفع الشعب السوداني وحده ثمن الخراب والتهجير والمجازر.

اقرأ أيضًا : فشل السيسي الاقتصادي ينعكس في البورصة المصرية: خسائر بالمليارات خلال يومين