في مشهد يعكس حجم الانفلات الإسرائيلي والتحريض الممنهج ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أدانت الوكالة الأممية ما وصفته بـ”الحريق المتعمد” الذي استهدف مجددًا مقرها في القدس الشرقية المحتلة، وسط حملة إسرائيلية تستهدف تفكيك دورها الإنساني والتاريخي في خدمة اللاجئين الفلسطينيين.
يأتي هذا الاعتداء في ظل تضييق ممنهج وتصعيد تشريعي وتحريضي غير مسبوق من قبل الاحتلال، يهدف إلى إنهاء وجود الوكالة داخل الأراضي المحتلة، وتحديدًا في القدس، كجزء من مخطط لطمس قضية اللاجئين وإلغاء حق العودة.

حريق متعمد وسط تحريض منهجي وتهديد متصاعد
الحادث الأخير، المتمثل في إضرام النار في مقر الأونروا بحي الشيخ جراح، ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة متواصلة من الاعتداءات على الوكالة.
وقد أكدت الأونروا أن هذا الفعل الإجرامي يأتي في سياق “تحريض منهجي مستمر عليها منذ أشهر”، مشيرة إلى أن موظفيها ومرافقها في الضفة الغربية يواجهون تهديدات متصاعدة.
هذا الحريق لم يكن معزولًا، بل يتزامن مع حملة سياسية إسرائيلية تدّعي زيفًا أن موظفين من الأونروا شاركوا في عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وهو اتهام رفضته الوكالة بشدة ونفته الأمم المتحدة، مؤكدة التزامها التام بمبدأ الحياد.
تأتي هذه الحملة وسط تضييقات تشريعية تبناها الكنيست الإسرائيلي في أكتوبر 2024، حين صادق على قانونين يحظران على الأونروا ممارسة أي نشاط داخل الأراضي المصنفة ضمن نطاق السيادة الإسرائيلية، بما فيها القدس المحتلة.
كما جرى سحب امتيازاتها ومنع أي اتصال رسمي بها، في خطوة تُعد سابقة في تعامل أي دولة عضو في الأمم المتحدة مع مؤسسة أممية تقدم خدمات إنسانية محمية بموجب القانون الدولي.
التطهير المؤسسي واستهداف وجود الأونروا في القدس
استهداف الأونروا لم يقتصر على التشويه والاعتداءات، بل اتخذ منحًى تصفويًا يتجسد في قرار إسرائيل، في أكتوبر 2024، بمصادرة مقر الوكالة في الشيخ جراح، لإقامة 1440 وحدة استيطانية فوق أنقاضه.
هذا القرار يأتي بعد أن كانت الأونروا قد اضطرت إلى إخلاء هذا المقر في يناير 2025 نتيجة القوانين الجديدة التي تحظر نشاطها.
كما شمل الإخلاء عيادة بالبلدة القديمة ومدارس ومركز تدريب مهني، ما يهدد آلاف اللاجئين الفلسطينيين بحرمانهم من خدمات أساسية في مجالات التعليم والصحة.
ويُعد هذا النهج الإسرائيلي تطهيرًا مؤسسيًا ضد الأونروا، الهدف منه شطب ملف اللاجئين من أجندة المجتمع الدولي، وتفكيك الشاهد الأكبر على النكبة الفلسطينية.
فوجود الأونروا هو في جوهره اعتراف أممي بوجود مشكلة لاجئين لم تُحل، ووجودها يُعد من أهم الشواهد القانونية والسياسية على مسؤولية المجتمع الدولي عن القضية الفلسطينية، ما يجعل من استهدافها تصفية للذاكرة التاريخية والمعنوية للشعب الفلسطيني.
حرب شاملة على الفلسطينيين والجهات الإنسانية
تتعاظم أهمية الأونروا في الوقت الراهن، في ظل حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، بدعم غير مشروط من الولايات المتحدة.
هذه الحرب التي خلّفت حتى اللحظة أكثر من 164 ألف شهيد وجريح، إضافة إلى ما يزيد على 11 ألف مفقود، غالبيتهم من الأطفال والنساء، جعلت من الأونروا الشريان الوحيد الذي يتبقى للفلسطينيين في غزة والضفة وسائر أماكن اللجوء في سوريا ولبنان والأردن.
ومن هذا المنطلق، يصبح استهداف الأونروا ليس فقط استهدافًا لمؤسسة إنسانية، بل جزءًا من استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى خنق الفلسطينيين نفسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، وشطب أي أمل ببقائهم أو عودتهم.
ويأتي ذلك بينما تتخلى كثير من الدول عن دعمها المالي والسياسي للوكالة، استجابة للضغوط الأميركية والإسرائيلية، ما يُعمّق من معاناة اللاجئين ويضعف قدرة الأونروا على أداء مهامها.
ويؤكد مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية رولاند فريدريك أن على إسرائيل، بصفتها دولة عضوًا في الأمم المتحدة، احترام التزاماتها بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات المنظمة الدولية، والتي تلزمها بحماية موظفي ومرافق الأمم المتحدة في جميع الأوقات.
إلا أن إسرائيل تتصرف كأنها فوق القانون الدولي، مدفوعة بتواطؤ غربي وصمت دولي مخزٍ، ما يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع في المستقبل القريب.
الأونروا في مرمى نيران الاحتلال والعالم مدعو لحمايتها
الحريق المتعمد الذي طال مقر الأونروا في القدس ليس سوى نتيجة مباشرة لتحريض سياسي وإعلامي رسمي تقوده إسرائيل منذ أشهر، في إطار خطة تستهدف شطب الأونروا من المشهد الفلسطيني.
ومع تصاعد الحرب في غزة وتفاقم أوضاع اللاجئين، تصبح الأونروا أكثر من مجرد وكالة إنسانية؛ إنها آخر معاقل الدعم الدولي للفلسطينيين.
وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية، لا فقط بإدانة هذا التصعيد، بل بفرض حماية فاعلة للوكالة وموظفيها، وتجديد التزامه السياسي والمالي تجاه القضية الفلسطينية، كي لا تصبح الجرائم بحق المؤسسات الأممية أمرًا عاديًا في زمن الاحتلال المنفلت.
اقرأ أيضًا :أكثر من 80 شهيداً خلال 48 ساعة: مجازر غزة مستمرة والعالم صامت