تشهد قرية مخماس الواقعة شمال القدس تصعيدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين وقوات الاحتلال، في مسعى واضح لعزل معظم أراضي القرية وتحويلها إلى جيب محاصر، ضمن سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وإحلال الاستيطان مكانهم. وبحسب معطيات محلية، فإن نحو 80% من أراضي مخماس باتت خارج متناول أهلها، في واحدة من أكثر حالات الخنق الجغرافي قسوة خلال الأشهر الأخيرة.

سياسة عزل ممنهجة لا اعتداءات عابرة
رئيس مجلس القرية، سائد أبو علي، يصف ما يجري بأنه “عملية منظمة وليست اعتداءات متفرقة”. فالمستوطنون، وفق إفادته، كثفوا خلال الأسابيع الماضية أعمال قطع أشجار الزيتون، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، وإعادة نصب خيام استيطانية في محيط القرية، إلى جانب محاولات متكررة لإغلاق الطرق الزراعية ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم. ويؤكد أبو علي أن مساحة مخماس تبلغ قرابة 12 ألف دونم، “لكن يُسمح لنا فعليًا بالوصول إلى ألفي دونم فقط، فيما يُحرم السكان من عشرة آلاف دونم”، في إجراء يهدف إلى محاصرة القرية وتحويلها إلى “كانتون مغلق”.
ضرب مقومات البقاء والاقتصاد الريفي
لا تقتصر سياسة العزل على الجغرافيا، بل تمتد لضرب مقومات الحياة. فاقتصاد مخماس يعتمد أساسًا على الزراعة وتربية الأغنام، ولا سيما الزيتون والقمح. القيود المفروضة تعني، عمليًا، شلّ الدورة الاقتصادية الريفية ودفع العائلات إلى الهجرة القسرية. ويشير أبو علي إلى أن منع الرعي والزراعة “ضربة مباشرة للاقتصاد الفلسطيني”، ويقوّض قدرة الأهالي على الصمود في أرضهم.
ازدواج الجنسية.. ورقة بلا حماية
يضيف رئيس المجلس أن عددًا كبيرًا من أهالي مخماس يحملون الجنسية الأميركية إلى جانب الفلسطينية، إلا أن الاحتلال “يرفض الاعتراف بازدواج الجنسية في الضفة الغربية”، ويتعامل مع الجميع باعتبارهم فلسطينيين فقط، دون أي حماية إضافية. ورغم تواصل المجلس مع السفارة الأميركية في بداية الأحداث، فإن الزيارة التي أجراها وفد دبلوماسي للقرية لم تُفضِ إلى أي دعم ملموس. هذا التجاهل يعكس—بحسب الأهالي—فشل الأدوات الدبلوماسية في ردع الانتهاكات، ويمنح المستوطنين شعورًا بالإفلات من العقاب.
مضايقات يومية وبؤر جديدة
من جهته، يروي المزارع عبد الباسط كنعان تفاصيل المضايقات اليومية: إطلاق أبقار المستوطنين في حقول الزيتون لإتلافها، والاعتداء على الرعاة لمنعهم من الرعي، وقطع الأشجار، خصوصًا أيام السبت. ويؤكد كنعان أن إقامة بؤرة استيطانية جديدة حرمت الأهالي من مساحات واسعة، وأن الاعتداءات تتصاعد كلما حاول أصحاب الأرض فلاحتها. ورغم المخاطر، يشدد: “لن نغادر أرضنا مهما كان الثمن”.
حلقة في مشروع توسّع أكبر
تقع مخماس في قلب طوق استيطاني متنامٍ تحيط به مستوطنات معاليه مخماش و**بسجوت** و**آدم**. وتخدم الاعتداءات هدفًا استراتيجيًا: وصل الكتل الاستيطانية ببعضها وقطع الامتداد الجغرافي الفلسطيني شمال القدس، بما يعزز السيطرة على الطرق والممرات الحيوية ويُسقط إمكانية التنمية الطبيعية للقرى الفلسطينية.
صمود في مواجهة العزل
على الرغم من كل ذلك، يؤكد أهالي مخماس تمسكهم بأرضهم. “سنواصل الزراعة وتربية المواشي ولن نغادر”، يقول أبو علي، في تعبير عن إرادة جماعية ترى في الصمود فعل مقاومة يومي. غير أن استمرار عزل 80% من الأراضي ينذر بتداعيات إنسانية واقتصادية خطيرة، ما لم يُكسر هذا الطوق عبر ضغط دولي حقيقي يوقف اعتداءات المستوطنين ويضع حدًا لسياسات الاحتلال التي تحوّل القرى الفلسطينية إلى جزر معزولة.
في مخماس، لا يدور الصراع على شجرة أو حقل فحسب، بل على حق الوجود ذاته. وما يحدث اليوم هناك يختصر نموذجًا أوسع لسياسة الاحتلال في القدس ومحيطها: عزلٌ ممنهج، واستيطانٌ متسارع، وصمودٌ شعبيّ يواجه مشروع الاقتلاع بإرادة البقاء.
اقرأ أيضًا : رئيس الصومال يكشف مؤامرات أبوظبي: نوايا حسنة قوبلت بتقويض الدولة