أقام مستوطنون إسرائيليون ثماني بؤر استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة منذ الهجوم الذي استهدف بلدة تل جنوب غربي نابلس الجمعة، في تصعيد يكشف استغلال الاحتلال للأحداث الميدانية من أجل فرض وقائع استيطانية جديدة على الأراضي الفلسطينية.
وقالت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي إن مستوطنين أنشأوا خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة بؤرتين إضافيتين في محيط نابلس، ليرتفع عدد البؤر التي أقيمت منذ أحداث بلدة تل إلى ثماني بؤر.
وأقيمت إحدى البؤرتين بين قرية دير استيا الفلسطينية ومستوطنة «عمانوئيل»، في منطقة مصنفة «باء»، تخضع مدنيًا للسلطة الفلسطينية وأمنيًا للاحتلال الإسرائيلي. أما البؤرة الثانية فأقيمت غرب قرية دير بلوط داخل المنطقة المصنفة «جيم»، الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
ويحمل إنشاء بؤرة استيطانية داخل المنطقة «باء» دلالة خاصة، إذ يعكس تمدد المشروع الاستيطاني إلى أراض يفترض، وفق اتفاقية أوسلو، أن تكون إدارتها المدنية فلسطينية، بما يزيد تقويض ما تبقى من صلاحيات السلطة ويمحو عمليًا الحدود بين المناطق المصنفة داخل الضفة.
والبؤر الاستيطانية هي تجمعات يبدأها المستوطنون عادة بوضع منازل وغرف متنقلة فوق الأراضي الفلسطينية، قبل توسيعها تدريجيًا وتحويلها إلى مستوطنات دائمة، في ظل حماية قوات الاحتلال ودعم حكومي مباشر أو غير مباشر.
تحويل الاعتداء إلى فرصة استيطانية
جاء إنشاء البؤر عقب اعتداء مستوطنين على بلدة تل، وما أعقبه من مواجهات وحملة عسكرية واسعة نفذها جيش الاحتلال في نابلس ومحيطها.
وفرضت قوات الاحتلال حصارًا على البلدة، ونفذت عمليات دهم واعتقال وتحقيق ميداني طاولت عشرات الفلسطينيين، بينما عاد المستوطنون إلى اقتحام تل ونصبوا غرفة متنقلة وشرعوا في تجريف أراض داخلها.
كما أقام مستوطنون بؤرًا جديدة في مناطق أخرى شمال الضفة، بينها الطريق الواصل بين عصيرة الشمالية وعسكر البلد شمال نابلس، بالتزامن مع اعتداءات طاولت منازل وأراضي ومركبات فلسطينية في عدد من القرى.
ولا تبدو هذه التحركات منفصلة عن الحملة العسكرية، بل جزءًا من مسار متكامل يقوم على اقتحام القرى وإخضاعها أمنيًا، ثم استغلال حالة الحصار والقوة العسكرية للاستيلاء على مزيد من أراضيها.
750 ألف مستوطن في الضفة
يعيش نحو 750 ألف مستوطن في 156 مستوطنة ونحو 360 بؤرة استيطانية منتشرة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، بينما تتوسع هذه التجمعات على حساب الأراضي الفلسطينية وتستخدم أداة لتقطيع أوصال المدن والقرى ودفع سكانها إلى الرحيل.
وتتركز البؤر الجديدة في مواقع استراتيجية قرب الطرق والتلال والتجمعات الفلسطينية، بما يسمح للمستوطنين بالسيطرة على مساحات أوسع من الأرض، وربط المستوطنات القائمة بعضها ببعض، وعزل القرى الفلسطينية داخل جيوب محاصرة.
كما تؤدي هذه البؤر دورًا متقدمًا في العنف الاستيطاني؛ إذ تتحول إلى قواعد تنطلق منها الهجمات على المنازل والمزارع والرعاة، قبل أن يتدخل جيش الاحتلال لحماية المستوطنين وفرض قيود إضافية على الفلسطينيين.
استيطان تحت حماية الجيش
تكشف إقامة ثماني بؤر خلال أيام أن ما يجري ليس تحركًا فرديًا لمجموعات استيطانية خارجة عن سيطرة الدولة، بل عملية تتقدم تحت أعين الجيش، وفي بيئة سياسية تمنح المستوطنين الحماية والتشجيع.
فبينما ينفذ الاحتلال حملات اعتقال وعقاب جماعي ضد الفلسطينيين في بلدة تل، يكافئ المستوطنين المعتدين بالسماح لهم بالاستيلاء على أراض جديدة وإقامة تجمعات استيطانية فوقها.
ويؤكد التصعيد أن الاحتلال لا يتعامل مع أحداث الضفة بوصفها مسألة أمنية فقط، بل يحول كل مواجهة إلى فرصة لتوسيع الاستيطان. فمن الهجوم على بلدة تل إلى إقامة ثماني بؤر جديدة، تتضح المعادلة الإسرائيلية: عنف المستوطنين يفتح الطريق، والجيش يوفر الحماية، ثم تكرس الحكومة سرقة الأرض باعتبارها واقعًا دائمًا.