تشهد العاصمة البريطانية لندن واحدة من أهم القضايا الحقوقية المرتبطة بالتجسس الرقمي العابر للحدود، بعدما بدأت المحكمة العليا البريطانية النظر في طعن تقدمت به مملكة البحرين لوقف دعوى قضائية تتهمها بالتجسس على معارضين سياسيين يقيمون في بريطانيا. القضية، التي فجّرتها صحيفة الغارديان عبر تقرير موسع للكاتب الدبلوماسي باتريك وينتور، تعيد تسليط الضوء على سجل النظام البحريني في ملاحقة معارضيه داخل البلاد وخارجها، وعلى استخدامه تقنيات تجسس متقدمة لاقتفاء أثر الأصوات المنتقدة في المنفى.
وتجادل البحرين أمام المحكمة العليا بأن لديها “حصانة سيادية” تمنع محاسبتها على أي نشاط رقابي أو عمليات اختراق إلكتروني يُزعم أنها قامت بها. لكن هذه الدفوع سبق أن رُفضت أمام المحكمة العليا البريطانية، ثم أمام محكمة الاستئناف، قبل أن تُحال القضية إلى أعلى سلطة قضائية في البلاد بسبب أهميتها القانونية والسياسية، خصوصاً فيما يتعلق بمدى إمكانية ادعاء الدول بالحماية القانونية أثناء ارتكاب انتهاكات داخل الأراضي البريطانية.
وتتمحور القضية حول دعوى أقامها معارضان بحرينيان يعيشان في لندن، هما الدكتور سعيد الشهابي والناشط موسى محمد، يؤكدان فيها أن أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهما تم اختراقها بين عامي 2010 و2011 باستخدام برنامج التجسس الألماني الشهير “FinFisher”، وهو أحد أكثر الأنظمة قدرة على التسلل وجمع البيانات من الأجهزة المستهدفة. ويقول المعارضان إن عملية التجسس تسببت لهما بضرر نفسي بالغ، وإنها جزء من حملة أوسع يشنّها النظام البحريني لملاحقة المعارضين في الخارج.

اتهامات بالتجسس وتفاصيل تقنية صادمة.. وسجل قمعي يلاحق النظام
تشير تفاصيل الدعوى إلى أن برنامج “FinSpy” المرتبط بمجموعة “فين فيشر” يتمتع بقدرات هائلة، حيث يمكنه تسجيل ضغطات لوحة المفاتيح، وسحب الرسائل والصور والوثائق، والولوج إلى الكاميرا والميكروفون من دون علم المستخدم. وقد قالت شركة “لي داي” للمحاماة، التي تتولى تمثيل المدّعيين، إن هذا النوع من البرمجيات صُمم أساسا لاستخدامه من قبل أجهزة الأمن والأنظمة القمعية لمراقبة المعارضين وتتبع نشاطهم الخاص، بل والتجسس على اتصالاتهم مع الصحفيين والمنظمات الحقوقية.
المحكمة الاستئنافية البريطانية كانت قد أصدرت حكماً مهماً يؤكد أن أي تلاعب عن بُعد بجهاز موجود داخل بريطانيا يُعتبر فعلاً ارتُكب داخل الأراضي البريطانية، حتى لو كانت عملية الاختراق تمت من خارجها. وهذا يعني عملياً أن محاولة البحرين الاتكاء على الحصانة السيادية لن تعفيها من المسؤولية عن انتهاك سيادة الدولة المضيفة أو انتهاك خصوصية الأفراد داخلها.
الحكم السابق أكد أيضاً أن “الضرر الشخصي” الذي يستثنى من الحصانة يشمل الضرر النفسي الناتج عن التجسس، وهو ما فتح الباب أمام المضي قدماً في القضية. ولا يزال الشهابي ومحمد يقولان إن البحرين أو وكلاءها هم من أمروا باستخدام هذا البرنامج لاستهدافهما، وإن الهجوم الإلكتروني كان جزءاً من سياسة منهجية لترهيب المعارضة البحرينية في الخارج، حتى داخل دول ديمقراطية مثل بريطانيا.
وقد نفى النظام البحريني بالطبع الاتهامات جملة وتفصيلاً، لكن المحكمة العليا البريطانية سابقاً رأت – وفق تقييم خبراء تقنيين – أن ثمة احتمالاً قوياً يفيد بأن الاختراق جرى بالفعل عبر أدوات مرتبطة بالحكومة البحرينية، وهو ما يفتح الباب أمام محاكمة كاملة في حال أيدت المحكمة العليا الحالية هذا الاستنتاج.
التداعيات السياسية أوسع بكثير من مجرد قضية فردية؛ فبحسب الغارديان، فإن حكم المحكمة سيكون له تأثير على كيفية تعامل بريطانيا مع جهود التجسس التي تنفذها دول استبدادية ضد المعارضين المقيمين على أراضيها، وخصوصاً الأنظمة الخليجية ذات السجل الطويل في القمع، مثل البحرين والإمارات، والتي اعتادت استخدام برمجيات تجسس متقدمة لاستهداف النشطاء والصحفيين والمعارضين—من “بيغاسوس” الإسرائيلي إلى “فين فيشر” الألماني.
المعارضان بدورهما تحدثا عن سنوات من الترهيب، إذ قال الشهابي إن القضية “ترسل رسالة واضحة إلى أي حكومة أجنبية تعتقد أنها تستطيع ملاحقة معارضيها داخل بريطانيا دون حساب”. أما موسى محمد، الذي سُحبت جنسيته البحرينية بعد فراره، فقال إن الاختراق “دمّر حياته وحياة من يثقون به”، مؤكداً أن “الأنظمة القمعية يجب ألا تختبئ خلف حصانة مزعومة بينما تمارس القمع على أراضي دولة أجنبية”.
القضية ليست حدثاً قانونياً منعزلاً، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية بريطانيا في حماية حرية التعبير وحقوق الإنسان على أراضيها، خصوصاً في ظل ازدياد عمليات التجسس الرقمي التي تقوم بها أنظمة عربية حديثة العهد بالتكنولوجيا، لكنها قديمة العهد في القمع والاستبداد.
وفي حال خسرت البحرين الطعن، فسيشكل ذلك صفعة دبلوماسية جديدة لنظامها، ويكشف مزيداً من الضوء على ممارسات التجسس العابر للحدود الذي تمارسه حكومات مستبدة، تسعى لإسكات المعارضين حتى لو كانوا قد وجدوا ملاذاً في دول يفترض أنها ديمقراطية وآمنة.
اقرأ أيضًا : نشطاء بريطانيون يتحدّون الاعتقال دعما لـ”فلسطين أكشن”.. مواجهة مفتوحة مع حكومة تُتهم بالتواطؤ