في تطور سياسي وأمني بالغ الخطورة، أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن هروب عيدروس الزبيدي، رئيس ميليشيا ما يسمى “المجلس الانتقالي الجنوبي”، بعد تجاهله إنذارًا رسميًا بضرورة التوجه إلى السعودية خلال مهلة لا تتجاوز 48 ساعة، لعقد لقاء حاسم مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لبحث أسباب التصعيد العسكري ومحاولات زعزعة الاستقرار في الجنوب.

وعلى خلفية هذا الهروب، أصدر العليمي قرارًا بإسقاط عضوية الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، وإحالته إلى النيابة العامة بتهم ثقيلة تتضمن الخيانة العظمى، وتشكيل عصابة مسلحة خارج إطار الدولة، وارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين اليمنيين، في خطوة اعتُبرت الأجرأ منذ تشكيل المجلس، ورسالة واضحة بأن مرحلة “التعايش القسري” مع المليشيات قد انتهت.

هروب تحت الضغط وتوزيع سلاح لإشعال الفوضى

المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، أكد أن الزبيدي فرّ إلى جهة غير معلومة فور إبلاغه بقرار استدعائه إلى السعودية، مشيرًا إلى أن المعلومات الاستخباراتية أثبتت قيامه بتوزيع أسلحة على عشرات العناصر التابعة لميليشيا الانتقالي في عدن، في محاولة واضحة لإشعال اضطرابات أمنية وجر المدينة إلى مربع الفوضى والاقتتال الداخلي.

وأوضح المالكي أن قوات التحالف رصدت تحركات تلك العناصر بعد خروجها من معسكرات الانتقالي الجنوبي، وتمركزها قرب معسكر الزند في محافظة الضالع، مؤكدًا تنفيذ ضربات استباقية محدودة لتعطيل هذه التحركات وإفشال المخطط الذي كان يهدف إلى توسيع رقعة الصراع وفتح جبهة جديدة خارج السيطرة.

الانتقالي.. من شريك سياسي إلى ميليشيا متمردة

هذه التطورات كشفت، بشكل لا لبس فيه، أن ما يسمى بميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي لم يعد مجرد فصيل سياسي مختلف مع الشرعية، بل تحول إلى ميليشيا مسلحة تعمل بمنطق العصابات، وتستخدم السلاح لفرض أجندتها الانفصالية بالقوة، متجاوزة كل التفاهمات السياسية والضمانات الإقليمية.

وخلال السنوات الماضية، دأب الانتقالي على بناء قوة عسكرية موازية لمؤسسات الدولة، خارج أي تسلسل قيادي رسمي، معتمدًا على الدعم الخارجي، ومستغلًا هشاشة الوضع اليمني لتعزيز نفوذه على حساب وحدة البلاد وسيادتها. ومع كل محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، كان السلاح هو اللغة الوحيدة التي يلجأ إليها.

الإمارات وخطة تمزيق اليمن

في خلفية المشهد، لا يمكن فصل تحركات الزبيدي عن الدور الإماراتي، الذي بات يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره رأس حربة في مشروع تمزيق اليمن. فالدعم السياسي والعسكري والمالي الذي وفرته أبوظبي لميليشيا الانتقالي لم يكن دعمًا عابرًا، بل جزءًا من استراتيجية ممنهجة تقوم على تفكيك الدولة اليمنية، والسيطرة على الموانئ والجزر والممرات البحرية، حتى لو كان الثمن إشعال حرب داخل الحرب.

وتشير معطيات سياسية إلى أن اندفاع الزبيدي الأخير لم يكن قرارًا فرديًا، بل خطوة محسوبة لإرباك المشهد، وإفشال أي مسار يعيد الاعتبار للدولة المركزية، ويحد من نفوذ المليشيات المرتبطة بأجندات خارجية.

العليمي يرسم خطًا أحمر

قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بإسقاط عضوية الزبيدي وإحالته للقضاء يمثل تحولًا نوعيًا في إدارة الصراع داخل معسكر الشرعية، ويؤكد أن الدولة لم تعد مستعدة لتقديم الغطاء السياسي لميليشيات تمارس الابتزاز بالسلاح، أو تتلاعب بمصير اليمنيين خدمة لمشاريع انفصالية.

كما يحمل القرار رسالة واضحة بأن وحدة القرار العسكري والأمني خط أحمر، وأن أي طرف يحاول تقويضها سيواجه بالمحاسبة القانونية، مهما كان موقعه أو داعموه.

مرحلة جديدة وصدام مفتوح

سياسيًا، يُتوقع أن يفتح القرار الباب أمام تصدعات داخل صفوف الانتقالي، وربما محاولات يائسة للرد عبر التصعيد، إلا أن موازين القوى باتت أقل تساهلًا مع مثل هذه المغامرات. أمنيًا، تبدو عدن والضالع أمام اختبار حاسم: إما تثبيت سلطة الدولة، أو مواجهة محاولات تخريب تقودها ميليشيا لفظها المسار السياسي.

في المحصلة، ما جرى ليس مجرد إقالة أو خلاف داخل مجلس رئاسي، بل لحظة فاصلة في معركة استعادة الدولة اليمنية. قرار العليمي يشكل إعلان قطيعة مع مرحلة العبث الميليشياوي، ويفتح مواجهة مباشرة مع مشروع تفتيت اليمن، الذي تقوده الإمارات عبر أدوات محلية لم تعد قادرة على الاختباء خلف شعارات الشراكة.

اقرأ أيضا : السيسي يقتل أبو الفتوح ببطء: اتهامات من زنزانة انفرادية تفضح عبث العدالة