دخلت الأزمة اليمنية طورًا سياسيًا خطيرًا، بعد تصاعد التحذيرات الصادرة عن رئاسة مجلس القيادة الرئاسي في اليمن تجاه رشاد العليمي من تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والتي اعتبرتها الرئاسة محاولة صريحة لفرض واقع انفصالي بالقوة، وتحويل الشراكة السياسية الهشة إلى أداة ابتزاز وتهديد لوحدة الدولة اليمنية ومؤسساتها.

العليمي، وخلال لقاءات مع بعثات دبلوماسية يمنية وأعضاء في هيئة التشاور والمصالحة بالعاصمة السعودية الرياض، أطلق تحذيرًا غير مسبوق حين أكد أن “الشراكة لن تتحول إلى غطاء لفرض أمر واقع بالقوة”، في إشارة واضحة إلى ما وصفه مراقبون بمحاولة “شرعنة الانقلاب الناعم” الذي يقوده الانتقالي في جنوب البلاد، مستندًا إلى نفوذه العسكري والدعم الخارجي.

شراكة تُستخدم كأداة تعطيل

لم تقتصر انتقادات الرئاسة على الخطاب السياسي، بل ذهبت إلى توصيف جوهر الأزمة، حيث اعتبر العليمي أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في “الإجراءات الأحادية”، بل في “تحويل الشراكة السياسية إلى أداة تعطيل”، واستخدام مؤسسات الدولة نفسها كغطاء لتمرير مشروع تقسيم اليمن.

هذا الاتهام يضع المجلس الانتقالي في خانة “الميليشيا السياسية المسلحة”، لا كشريك دولة، خصوصًا بعد اتهامه بدفع مؤسسات وأجهزة رسمية لإصدار بيانات تؤيد الانفصال، في سابقة خطيرة تهدد فكرة الدولة ذاتها.

الإمارات.. تأجيج الحرب عبر الوكلاء

في قلب هذا التصعيد، تبرز الإمارات العربية المتحدة بوصفها الداعم الرئيس للمجلس الانتقالي، سياسيًا وعسكريًا. فبدلًا من دعم مسار الاستقرار، تتهم أطراف يمنية واسعة أبوظبي بتغذية النزعة الانفصالية، واستخدام الانتقالي كذراع محلية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لليمن بما يخدم مصالحها في الموانئ والممرات البحرية.

ويرى محللون أن هذا الدعم لا يهدف إلى “استقلال الجنوب” بقدر ما يسعى إلى تفكيك الدولة اليمنية وتحويلها إلى كيانات ضعيفة متناحرة، بما يطيل أمد الحرب ويُبقي اليمن ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

وزارات الدولة ترفض “تسييس المؤسسات”

بالتوازي مع موقف الرئاسة، أعلنت وزارات العدل، والأوقاف، والصناعة، والشباب والرياضة رفضها القاطع لأي بيانات أو مواقف سياسية تصدر باسمها خارج الأطر الدستورية. وأكدت وزارة الأوقاف أن البيانات المنسوبة إليها ذات “طابع سياسي مخالف لاختصاصاتها”، مشددة على أن الشرعية الوحيدة المعترف بها هي مجلس القيادة الرئاسي.

أما وزارة الشباب والرياضة، فذهبت أبعد من ذلك، ووصفت ما جرى بأنه “محاولة انقلاب جديدة”، مؤكدة أنها رفضت انقلاب صنعاء سابقًا، ولن تقبل بأي انقلاب موازٍ في عدن أو غيرها.

الانتقالي: من شريك إلى سلطة موازية

ما يثير القلق، وفق مراقبين، هو انتقال المجلس الانتقالي من موقع “الشريك المختلف” إلى مشروع “السلطة الموازية بالقوة”. فقد تمكن خلال الأسابيع الماضية من بسط نفوذه على محافظات استراتيجية مثل حضرموت والمهرة دون قتال، في خطوة فُسّرت بأنها إعادة انتشار مدعومة خارجيًا، ورفضتها السعودية علنًا باعتبارها تقويضًا لاتفاقيات تقاسم السلطة.

العليمي وصف هذه التحركات بأنها “تنتهك شرعية الحكومة المعترف بها دوليًا”، وتفتح الباب أمام صدام داخلي جديد، محذرًا من أن هذا المسار لا يهدد اليمن فقط، بل أمن دول الجوار كذلك.

خطاب الانفصال وتغذية الوهم

في المقابل، يواصل رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي الترويج لخطاب “اللحظة المصيرية”، متحدثًا عن بناء ما يسميه “دولة الجنوب العربي”. غير أن هذا الخطاب، بحسب خصومه، يتجاهل حقيقة أن المشروع يُدار بعقلية ميليشياوية، لا بعقلية دولة، ويستند إلى السلاح والدعم الخارجي لا إلى توافق وطني أو مسار دستوري.

معركة بقاء الدولة

المشهد الحالي يكشف أن اليمن لا يواجه فقط حربًا عسكرية، بل معركة سياسية على معنى الدولة نفسها. فإما تثبيت مرجعية الدولة ومؤسساتها، أو الانزلاق إلى نموذج “الكيانات المسلحة” التي تُدار بالوكالة.

تحذيرات الرئاسة ليست مجرد رسائل سياسية، بل إعلان مواجهة مفتوحة مع مشروع الانفصال المدعوم إماراتيًا، في لحظة تبدو فيها وحدة القرار اليمني مهددة أكثر من أي وقت مضى، فيما يدفع المواطن اليمني ثمن صراع لا ينتهي بين الدولة والميليشيا.

اقرأ أيضًا : تضامن واسع مع فلسطين يهز بريطانيا: إضرابات الطعام تشعل الشارع وتحرج حكومة ستارمر