يشهد المشهد السياسي والحقوقي في بريطانيا تصاعدًا لافتًا في حملات التضامن مع القضية الفلسطينية، على خلفية إضرابات عن الطعام يخوضها نشطاء من منظمة Palestine Action داخل السجون البريطانية، احتجاجًا على استمرار احتجازهم ودعم الحكومة البريطانية لإسرائيل في حربها على قطاع غزة. ومع اتساع رقعة التضامن الشعبي والحقوقي، تتزايد الضغوط على حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر، التي تواجه اتهامات متصاعدة بالصمت المتعمد والتجاهل الإنساني.

وخلال الأيام الماضية، تحولت قضية المضربين عن الطعام إلى محور جدل واسع في الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية، بعدما خرجت احتجاجات حاشدة في لندن ومدن أخرى، مطالبة بالإفراج عن النشطاء أو على الأقل فتح قنوات حوار رسمية معهم. ويرى متضامنون أن هذه التحركات تمثل امتدادًا لموجة التضامن الشعبي الواسع مع الفلسطينيين، والتي لم تهدأ منذ اندلاع الحرب على غزة، بل أخذت أشكالًا أكثر حدة وتنظيمًا داخل بريطانيا.

احتجاجات في قلب لندن ورسالة سياسية واضحة

وشهد ميدان بيكاديلي في العاصمة لندن، مساء الاثنين، واحدة من أبرز هذه التحركات، حيث قادت الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ حشودًا من المتظاهرين الذين أغلقوا الميدان بشكل كامل، في مشهد حمل دلالات سياسية قوية. ورفع المحتجون لافتات تطالب بالإفراج عن ثمانية نشطاء من “فلسطين أكشن” المضربين عن الطعام منذ أسابيع، محملين الحكومة البريطانية المسؤولية المباشرة عن تعريض حياتهم للخطر.

ولم يكن حضور ثونبرغ مجرد دعم رمزي، بل عكس تلاقي قضايا المناخ وحقوق الإنسان وفلسطين في خطاب احتجاجي عابر للحدود، يرى في ما يحدث داخل السجون البريطانية جزءًا من منظومة أوسع لتجريم التضامن مع الفلسطينيين. واعتبر متظاهرون أن استمرار احتجاز النشطاء وإهمال مطالبهم يمثل رسالة ردع لكل من يرفع صوته ضد السياسات البريطانية الداعمة لإسرائيل.

انتقادات حادة لحكومة ستارمر

على منصات التواصل الاجتماعي، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى رئيس الوزراء كير ستارمر، خصوصًا في أوساط نشطاء حقوق الإنسان والمحامين. ويرى منتقدوه أن امتناعه عن التدخل، حتى بدافع إنساني، يتناقض مع خلفيته المهنية كمحامٍ سابق في مجال حقوق الإنسان، ومع الخطاب القيمي الذي طالما تبناه قبل توليه رئاسة الحكومة.

ويؤكد ناشطون أن هذا الصمت لا يمكن فصله عن الموقف السياسي العام لحكومة حزب العمال، التي واصلت، بحسبهم، سياسات سابقتها في دعم إسرائيل، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب على غزة. وبات يُنظر إلى قضية المضربين عن الطعام باعتبارها اختبارًا أخلاقيًا حقيقيًا للحكومة الجديدة، لا مجرد ملف قانوني أو أمني.

إضراب مفتوح ومسار قانوني متصاعد

وبحسب معطيات متداولة، بدأ ثمانية نشطاء من “فلسطين أكشن” إضرابًا مفتوحًا عن الطعام في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، احتجاجًا على استمرار احتجازهم ورفض الإفراج عنهم بكفالة، إضافة إلى ما يصفونه بتواطؤ الحكومة البريطانية في الحرب على غزة. ويؤكد أنصارهم أن الإضراب يهدف كذلك إلى الضغط من أجل وقف ما يصفونه بـ“الإبادة الجماعية” بحق الفلسطينيين.

وخلال الأيام الأخيرة، أعلن الفريق القانوني الممثل للمضربين عزمه الشروع في إجراءات قانونية ضد وزير العدل، متهمًا إياه بانتهاك سياسات حكومية واضحة تتعلق بالتعامل مع السجناء المضربين عن الطعام. وفي رسالة تحذيرية رسمية، منح المحامون الحكومة مهلة زمنية قصيرة للرد، ملوحين باللجوء إلى المحكمة العليا البريطانية للطعن في ما وصفوه برفض غير مبرر للتواصل مع ممثلي المضربين.

ويستند المحامون إلى لوائح السجون البريطانية التي تنص على ضرورة بذل “أقصى الجهود” لفهم دوافع السجين المضرب عن الطعام والعمل على معالجة أسبابه، معتبرين أن تجاهل الحكومة قد يرقى إلى انتهاك صريح لحقوق الإنسان.

توقف جزئي عن الإضراب واستمرار القلق

وفي تطور لافت، أفادت هيئة الإذاعة البريطانية بأن الناشطة قيسر زهرة أنهت إضرابها عن الطعام بعد 48 يومًا، عقب نقلها إلى المستشفى وسط احتجاجات خارج سجن برونزفيلد، على خلفية شكاوى من حرمانها من الرعاية الطبية الكاملة. وحتى الآن، أوقف ثلاثة من أصل ثمانية نشطاء إضرابهم، بينما يواصل البقية الامتناع عن الطعام، في ظل مخاوف متزايدة على صحتهم.

وفي المقابل، اكتفت وزارة العدل البريطانية بتصريحات عامة، أعربت فيها عن رغبتها في أن “يقبل السجناء الدعم حتى يتعافوا”، مع التأكيد على أنها لن تتخذ خطوات قد تشجع آخرين على الإضراب عن الطعام. غير أن هذا الموقف لم ينجح في تهدئة الانتقادات، بل زاد من حدة الغضب الشعبي.

تضامن يتجاوز السجون

في المحصلة، تعكس قضية إضرابات الطعام داخل السجون البريطانية حجم التضامن الواسع مع الفلسطينيين داخل المجتمع البريطاني، وتحول هذا التضامن إلى ضغط سياسي وقانوني متزايد على الحكومة. ومع اقتراب احتمال اللجوء إلى المحكمة العليا، تبدو حكومة ستارمر أمام معضلة حقيقية: إما الاستمرار في الصمت وتحمل كلفته الأخلاقية والسياسية، أو فتح مسار حوار قد يعيد الاعتبار لخطاب حقوق الإنسان الذي طالما تبنته بريطانيا رسميًا.

اقرأ أيضًا : مدرج ليبي يشعل حرب السودان.. الإمارات والوقود الخفي للإبادة