في تطور لافت يعكس ارتدادات الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، كشفت تقارير إعلامية أن السعودية قررت الانسحاب من اتفاق بقيمة 200 مليون دولار كانت قد تعهدت بموجبه بدعم دار الأوبرا الشهيرة في نيويورك “Metropolitan Opera”، وهو ما يمثل أول إشارة ملموسة إلى تأثر التزامات المملكة المالية في الخارج بفعل التطورات الإقليمية.

القرار لم يأتِ في سياق تقني أو إداري، بل جاء نتيجة مباشرة للضغوط الاقتصادية التي تواجهها المملكة بسبب الحرب، بحسب ما أكده المدير العام لدار الأوبرا بيتر جيلب، الذي أوضح أن الجانب السعودي أبلغه بأن الأوضاع الاقتصادية الناتجة عن الحرب، إلى جانب تعطل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، دفعت الرياض إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية، والتركيز فقط على ما وصفته بـ“المشاريع الأساسية”.

هذه العبارة—“المشاريع الأساسية”—تكشف بوضوح طبيعة الاستثمارات التي كانت السعودية تضخ فيها أموالها خلال السنوات الماضية. فتمويل دار أوبرا في نيويورك لم يكن ضرورة اقتصادية، بل جزء من استراتيجية أوسع لتلميع الصورة وبناء نفوذ ثقافي في الغرب، وهي استراتيجية تتراجع اليوم مع أول ضغط حقيقي.

تعود تفاصيل الاتفاق إلى سبتمبر 2025، حين لجأت دار الأوبرا إلى السعودية بعد أن استنزفت أكثر من ثلث أموال صندوقها الوقفي، بما يقارب 120 مليون دولار، لتغطية نفقاتها التشغيلية. وافقت السعودية على تقديم الدعم المالي، مقابل التزام الدار بتنظيم عروض فنية داخل المملكة لمدة ثلاثة أسابيع سنوياً خلال فصل الشتاء، في صفقة تعكس بوضوح نمط “شراء الحضور الثقافي” عبر المال.

لكن هذا النمط لم يصمد طويلاً. فمع تصاعد التوترات الإقليمية، وتحديداً الحرب على إيران، بدأت الأولويات تتغير، وظهرت الحاجة إلى تقليص الإنفاق على المشاريع غير الضرورية. ورغم أن مبلغ 200 مليون دولار يُعد ضئيلاً مقارنة بحجم صندوق الاستثمارات السيادي السعودي الذي يتجاوز تريليون دولار، فإن دلالة القرار تكمن في توقيته وسياقه، باعتباره مؤشراً على بداية تراجع القدرة على الاستمرار في نفس نمط الإنفاق.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد. فالحرب على إيران ألقت بظلالها على قطاعات أخرى كانت السعودية تراهن عليها ضمن ما يُعرف بـ“تنويع الاقتصاد”، وعلى رأسها السياحة والترفيه. فقد تراجعت حركة السياحة في الخليج بشكل ملحوظ، وهو ما انعكس حتى على الإمارات، التي اضطرت إلى إغلاق فندق برج العرب الشهير في دبي لمدة 18 شهراً لإعادة التأهيل، بعد انخفاض الإقبال السياحي.

السعودية، التي كانت تسعى إلى منافسة هذا النموذج وبناء قطاع سياحي خاص بها، تجد نفسها الآن أمام واقع مختلف، حيث لم تعد البيئة الإقليمية مستقرة بما يكفي لجذب الاستثمارات أو السياح، وهو ما يضعف أحد أهم أعمدة “رؤية 2030”.

وفي السياق نفسه، كشفت صحيفة فايننشال تايمز أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي يقترب من تقليص دعمه لمشروع “LIV Golf”، الذي ضُخّت فيه استثمارات تصل إلى 5 مليارات دولار لمنافسة الدوري الأمريكي “PGA Tour”. هذا المشروع، الذي كان يُستخدم كأداة لتعزيز الحضور السعودي في الرياضة العالمية، يواجه الآن مصيراً مشابهاً لمشاريع أخرى بدأت تتراجع أو تُلغى.

الأهم أن هذا التراجع لم يبدأ مع الحرب فقط. ففي ديسمبر الماضي، صرّح وزير المالية السعودي محمد الجدعان بأن المملكة “لا تملك غروراً يمنعها من إعادة تقييم مشاريعها”، وهو تصريح يكشف أن المراجعة كانت قائمة بالفعل، وأن الحرب جاءت لتسرّع وتيرة الانكشاف.

بالفعل، تم تعليق أو إلغاء عدد من المشاريع الضخمة، من بينها مشروع “المكعب” في الرياض، وهو مبنى عملاق كان يُروّج له كأحد أبرز معالم العاصمة الجديدة، إضافة إلى إلغاء خطط إنشاء منتجع تزلج في الصحراء، وسد ضخم لتكوين بحيرة صناعية.

كما أكد ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، أن الحرب على إيران أثرت بشكل مباشر على حسابات الصندوق، مشيراً إلى أن “الحرب ستضيف مزيداً من الضغط لإعادة ترتيب بعض الأولويات”. وفي اعتراف غير مسبوق، أقرّ بأن مشروع “ذا لاين”، المدينة الخطية بطول 170 كيلومتراً ضمن مشروع نيوم، لم يعد أولوية.

ورغم أن السعودية لا تزال قادرة على تصدير النفط بفضل خط الأنابيب الممتد من الشرق إلى الغرب، والذي يتجاوز مضيق هرمز، بل وتستفيد من ارتفاع أسعار النفط، فإن ذلك لم يمنع تراجع قدرتها على تقديم نفسها كبيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار والسياحة.

ما تكشفه هذه التطورات ليس مجرد تأثير اقتصادي عابر، بل خلل هيكلي في نموذج قائم على الإنفاق الضخم لشراء النفوذ والصورة. هذا النموذج، الذي اعتمد عليه محمد بن سلمان لتقديم نفسه كمهندس تحول اقتصادي، يبدأ في التراجع مع أول اختبار حقيقي.

انسحاب تمويل دار الأوبرا ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من سلسلة قرارات تعكس انكماشاً أوسع، وتكشف أن المشاريع التي بُنيت على أساس التلميع والدعاية، لا تصمد عندما تتعرض لضغوط حقيقية.

في النهاية، ما يجري اليوم يطرح سؤالاً مباشراً: هل كانت “رؤية 2030” مشروع تحول اقتصادي فعلي، أم مجرد واجهة مكلفة تعتمد على ضخ الأموال دون أساس مستدام؟