في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في إفريقيا خلال العقود الأخيرة، أعلن النائب العام السوداني عن اكتشاف 965 مقبرة جماعية في المناطق التي تم استعادتها من سيطرة قوات الدعم السريع، في مؤشر مروع على حجم الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023.
هذه الانتهاكات، التي تضمنت القتل الجماعي والتعذيب والاغتصاب والاستعباد الجنسي، تعزز التقارير المتواترة عن استخدام الدعم السريع للعنف كسلاح ضد المدنيين، في ظل اتهامات متزايدة بتورط دولة الإمارات في دعم هذه القوات ماديا ولوجستيا.

مقابر جماعية واختفاء قسري: حقائق تثبت الإبادة المنظمة
النائب العام السوداني الفاتح محمد عيسى طيفور كشف في تصريح رسمي عن اكتشاف 965 مقبرة جماعية في المناطق التي استعادها الجيش، مؤكدا أن النيابة العامة تلقت أكثر من 14 ألف بلاغ عن حالات اختفاء قسري منذ بداية الحرب، بينها حالات اختطاف نساء وأطفال وجرائم اغتصاب واستعباد جنسي.
هذا الرقم الضخم يشير إلى فظاعات لم يشهدها السودان منذ مذابح دارفور، ما دفع المحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيقات جديدة بحق قوات الدعم السريع.
وتشير البيانات المقدمة من السودان إلى لجان الأمم المتحدة بجنيف، إلى أن العديد من هذه الانتهاكات تم توثيقها بشكل رسمي، خاصة في ولايات الخرطوم، الجزيرة، سنار ودارفور.
وذكر التقرير المرحلي الثالث للجنة الوطنية للتحقيق أن النيابة باشرت العمل فور استعادة السيطرة على تلك المناطق، حيث قامت بجمع الأدلة، وتشجيع الضحايا على التبليغ، مع تسهيلات خاصة للنساء مثل وجود عناصر نسائية في الشرطة والنيابة واعتماد التقارير الطبية مباشرة في قضايا العنف الجنسي.
وتزامنًا مع ذلك، أكدت المبادرة الأفريقية لنساء القرن الأفريقي “شبكة صيحة” أن لديها شهادات حية عن قيام أفراد من الدعم السريع باختطاف النساء والفتيات في دارفور واحتجازهن رهائن مقابل فدية أو بيعهن لاحقًا، في سلوك يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
تورط إماراتي: دعم سياسي وعسكري مكشوف في جرائم الإبادة
في حين تنشغل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتوثيق الانتهاكات، تتجه الأنظار أكثر فأكثر نحو دولة الإمارات التي تُتهم بتقديم دعم مباشر لقوات الدعم السريع، ما يجعلها شريكًا ضمنيًا في هذه الجرائم.
فالإمارات، التي بات يُنظر إليها باعتبارها الممول الأول للمرتزقة في إفريقيا، قدمت دعمًا ماليًا وعسكريًا إلى قوات حميدتي قبل اندلاع الحرب وخلالها، بحسب تقارير استخباراتية وإفادات لوسائل إعلام دولية.
وتشير العديد من الشهادات إلى أن الدعم الإماراتي لم يكن مجرد مساعدات، بل شمل عمليات تهريب سلاح ونقل لوجستي عبر قواعد في ليبيا وتشاد، فضلًا عن تقارير عن طائرات شحن إماراتية هبطت في مناطق سيطرة الدعم السريع محملة بالأسلحة والذخائر. كما عملت أبو ظبي على حماية قادة الدعم السريع سياسياً، عبر الضغط الدبلوماسي لمنع إدانتهم في المحافل الدولية، ما ساهم في تعقيد جهود المساءلة.
ولا يخفى أن الإمارات تسعى منذ سنوات إلى بناء نفوذ استراتيجي في السودان، لا سيما في موانئ البحر الأحمر وقطاع التعدين، ما دفعها إلى دعم كل من يستطيع السيطرة على الأرض، بغض النظر عن الأساليب الوحشية التي تُستخدم لتحقيق ذلك. وبالنتيجة، فإن الدعم الإماراتي ساهم بشكل مباشر في تمكين ميليشيا الدعم السريع من ارتكاب انتهاكات ترقى إلى جرائم الإبادة الجماعية.
جرائم لا تسقط بالتقادم والمحاسبة تلوح في الأفق
بحسب مركز ضحايا الاختفاء القسري «مفقود»، فإن عدد حالات الاختفاء المسجلة بلغ قرابة ألف حالة موثقة، بينها 50 طفلاً، مع وجود مؤشرات قوية أن العدد الحقيقي أكبر بكثير. ورغم التحديات الأمنية، يجري العمل على جمع المزيد من الأدلة بالتنسيق مع المجتمع المدني والجهات الدولية.
وقد شددت النيابة العامة السودانية على أنها لا تكتفي بالتوثيق، بل تعمل على تقديم الجناة إلى العدالة، مؤكدًة على التعاون مع لجان الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري والعنف ضد النساء. كذلك، طالب مركز “مفقود” الجهات المحلية والدولية بتكثيف جهود البحث عن المفقودين، ووقف الجرائم المستمرة بحق المدنيين، مؤكدًا أن الاختفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم.
خاتمة: هل تنجح المساءلة أم تنتصر الحسابات السياسية؟
تكتسب قضية المقابر الجماعية والاختفاء القسري في السودان بعدًا يتجاوز الجانب الإنساني، إلى كونه اختبارًا حقيقيًا للمجتمع الدولي في مواجهة جرائم مدعومة من قوى إقليمية مثل الإمارات. ورغم الجهود الرسمية السودانية، فإن مسار العدالة لا يزال مهددًا بالتدخلات السياسية، وهو ما يفرض على المنظمات الحقوقية والإعلام المستقل فضح التواطؤ الدولي، والضغط من أجل تحقيق شفاف ومحاسبة فعلية.
إن ما يجري في السودان من فظائع بحق النساء والأطفال والمدنيين العزّل لا يجب أن يُختزل في أرقام، بل ينبغي أن يُعامل كملف إجرامي دولي متكامل، تُحاسب فيه جميع الأطراف المتورطة، سواء من ارتكبوا الجرائم على الأرض، أو من دعموهم في الكواليس، من أبو ظبي إلى عواصم أخرى.
اقرأ أيضًا : ترامب يعلن قصف منشآت نووية إيرانية: عدوان أمريكي-إسرائيلي يهدد بإشعال حرب كارثية في المنطقة