قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إن الوجود التركي في مطار أبو الظهور ومحيطه يأتي في إطار ترتيبات أمنية ودفاعية مرتبطة بحماية سوريا، مؤكدًا أن دمشق «لا تثق بنيات إسرائيل» في ظل استمرار الغارات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
وتأتي تصريحات الشيباني بعد سلسلة ضربات إسرائيلية استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في إدلب، بالتوازي مع استمرار التوغلات الإسرائيلية في ريف دمشق ودرعا والقنيطرة، ما يعكس حجم القلق السوري من أن تتحول الاعتداءات الإسرائيلية إلى واقع دائم.
دمشق: الوجود التركي ليس موجها ضد أحد
بحسب الشيباني، فإن التعاون مع تركيا لا يستهدف فتح مواجهة جديدة في المنطقة، وإنما يندرج ضمن محاولة إعادة بناء القدرات السورية وتأمين المنشآت العسكرية بعد سنوات من الحرب والانهيار.
ويحاول الخطاب السوري تقديم الحضور التركي باعتباره جزءًا من ترتيبات دفاعية طبيعية بين دمشق وأنقرة، لا مشروعًا لإنشاء جبهة عسكرية مباشرة ضد إسرائيل.
لكن مجرد وجود عسكري تركي في منشأة استراتيجية مثل أبو الظهور يمنح المسألة بعدًا يتجاوز التعاون الفني، لأن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتملك قدرات دفاع جوي وطائرات مسيرة ومنظومات عسكرية متقدمة.
«لا نثق بنيات إسرائيل»
العبارة الأبرز في تصريحات الشيباني كانت إقراره الصريح بأن دمشق لا تثق بالنوايا الإسرائيلية.
ويبدو هذا الموقف مفهومًا في ضوء التطورات الميدانية؛ فإسرائيل واصلت خلال الفترة الأخيرة قصف المطارات والقواعد العسكرية السورية، ونفذت توغلات برية داخل الجنوب، واعتقلت سوريين، وأقامت نقاطًا عسكرية داخل أراض سورية.
وبذلك ترى دمشق أن مجرد الدخول في محادثات أمنية مع إسرائيل لا يوفر ضمانة كافية لوقف الاعتداءات.
أبو الظهور يتحول إلى نقطة صراع
اكتسب مطار أبو الظهور أهمية خاصة بعد تعرضه مؤخرًا لثماني غارات إسرائيلية متتالية.
واستهداف المطار بهذا الحجم يشير إلى أن إسرائيل تنظر إليه باعتباره موقعًا حساسًا، خصوصًا إذا كان مرتبطًا بتعاون عسكري سوري تركي أو بإعادة بناء قدرات جوية ودفاعية سورية.
ومن هنا يمكن قراءة الضربات باعتبارها رسالة إسرائيلية استباقية: تل أبيب لا تريد السماح بظهور بنية عسكرية جديدة داخل سوريا قد تحد مستقبلًا من حرية عملياتها الجوية.
تركيا تدخل معادلة الردع
الوجود التركي يغير الحسابات بدرجة مهمة.
فإسرائيل كانت تتحرك داخل سوريا خلال السنوات الماضية في بيئة عسكرية لا تواجه فيها قوة إقليمية كبرى بصورة مباشرة.
لكن انتشار عناصر أو معدات تركية داخل منشآت سورية يخلق معادلة أكثر تعقيدًا؛ لأن أي غارة إسرائيلية قد تحمل خطر إصابة جنود أو معدات تركية، ما يمكن أن يؤدي إلى أزمة مباشرة بين أنقرة وتل أبيب.
وهذا لا يعني أن تركيا وإسرائيل تتجهان حتمًا إلى مواجهة، فكلتاهما حاولتا سابقًا تجنب الصدام المباشر داخل سوريا، لكنه يرفع كلفة حرية الحركة الإسرائيلية.
دمشق تبحث عن مظلة لا توفرها المفاوضات
توضح تصريحات الشيباني أن القيادة السورية لا تريد الاعتماد على التفاهمات الدبلوماسية وحدها.
فالخبرة السورية خلال الأشهر الماضية تقول إن استمرار المفاوضات لم يمنع الغارات ولا التوغلات.
ولهذا يبدو التقارب العسكري مع تركيا محاولة لبناء نوع من الردع الواقعي على الأرض، بحيث تصبح أي عملية إسرائيلية أكثر تكلفة سياسيًا وعسكريًا.
إسرائيل تخشى إعادة بناء الجيش السوري
توسع إسرائيل ضرباتها منذ سقوط النظام السابق ليشمل المطارات والقواعد ومخازن الأسلحة، ما يوحي بأنها لا تستهدف طرفًا بعينه فقط، بل تريد منع سوريا من إعادة بناء قوة عسكرية يمكن أن تشكل تحديًا لها مستقبلًا.
ومن هذه الزاوية، يفسر الوجود التركي في أبو الظهور جانبًا من التوتر.
فإذا حصلت دمشق على تدريب وتقنيات ودعم عسكري تركي، فإن ذلك قد يساعدها على إعادة تأسيس قدراتها الجوية والدفاعية بصورة أسرع، وهو سيناريو لا يبدو أن تل أبيب ترغب في رؤيته.
بين المفاوضات والردع
المشهد السوري بات يقوم على مسارين متوازيين: دمشق تتفاوض بشأن ترتيبات أمنية لتجنب الحرب، لكنها في الوقت نفسه تبني علاقات عسكرية مع تركيا لأنها لا تثق بأن إسرائيل ستلتزم وحدها بأي تفاهم.
وهذا التناقض ليس عبثيًا، بل يعكس قراءة واقعية للميدان: التفاوض بلا قدرة ردع يترك الطرف الأضعف تحت رحمة الطرف الأقوى.
ولذلك تكشف تصريحات الشيباني أن الوجود التركي في أبو الظهور ليس مجرد تفصيل عسكري، بل جزء من محاولة سورية لإعادة تشكيل ميزان القوة. فدمشق تقول إنها تريد اتفاقًا، لكنها في الوقت نفسه تعترف بأنها لا تثق بنيات إسرائيل، ولذلك تبحث عن شريك قادر على جعل أي اعتداء جديد أكثر كلفة.