حذرت مصادر أمنية وعسكرية إسرائيلية من أن الضفة الغربية المحتلة تقف على «برميل بارود» قابل للانفجار في أي لحظة، مع تصاعد اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، في وقت تكشف فيه شهادات من داخل جيش الاحتلال عن حالة من الشلل والخوف لدى قياداته من مواجهة المستوطنين المتطرفين.
ونقلت صحيفة «هآرتس» عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع قوله إن اعتداءات المستوطنين في بلدة قصرة جنوبي نابلس ومناطق أخرى باتت ترهق قوات الجيش «إلى أقصى حد»، مضيفًا أن القوات غير قادرة على التعامل مع جميع الحوادث المتزامنة.
لكن الأخطر في الشهادات الإسرائيلية ليس فقط اتساع الاعتداءات، بل الحديث عن «عجز متعمد» داخل المؤسسة العسكرية عن كبح المستوطنين.
الضباط يخشون على ترقياتهم
بحسب مصادر في قيادة المنطقة الوسطى بجيش الاحتلال، تسود حالة من «الشلل» المستويات القيادية، بدءًا من قائد المنطقة اللواء آفي بلوت، مرورًا بقيادة الفرقة ووصولًا إلى قادة الألوية.
وأرجعت المصادر ذلك إلى خشية الضباط من أن يُفسر أي تحرك حازم ضد المستوطنين على أنه موقف سياسي، خصوصًا في ظل النفوذ المتزايد لليمين المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية.
وذهبت المصادر إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن ضباطًا مرشحين للترقية باتوا يتجنبون اتخاذ إجراءات صارمة ضد المستوطنين خوفًا من أن يؤثر ذلك في مستقبلهم العسكري.
وبذلك يصبح المستوطن المسلح قادرًا على التأثير، بصورة غير مباشرة، حتى في قرارات ضباط الجيش الذين يفترض أنهم مسؤولون عن فرض الأمن.
المستوطن يعتدي.. والجيش يتردد
تكشف هذه الشهادات الإسرائيلية جانبًا مهمًا مما يحدث على الأرض في الضفة.
فالقضية لم تعد مجرد اعتداءات تنفذها مجموعات متطرفة بعيدًا عن الدولة، بل باتت مرتبطة ببيئة سياسية وأمنية تمنح المستوطنين مساحة واسعة للحركة، فيما يتردد الجيش في مواجهتهم.
وفي قصرة وجالود، تصاعدت خلال الأيام الأخيرة اعتداءات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي والمنازل الفلسطينية، قبل أن يعلن جيش الاحتلال البلدتين منطقتين عسكريتين مغلقتين.
وهنا تظهر المفارقة: المستوطنون يعتدون على الفلسطينيين، لكن الفلسطينيين أنفسهم يجدون قراهم وأراضيهم محاصرة بالأوامر العسكرية.
الخوف من انفجار الضفة
التحذير الإسرائيلي من «برميل بارود» يأتي في وقت تتصاعد فيه عمليات الهدم والاستيطان والاستيلاء على الأراضي، بالتزامن مع مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين.
وتخشى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن يؤدي استمرار هذه الاعتداءات إلى توسيع دائرة المواجهة، بحيث تنتقل الأحداث من هجمات محلية متفرقة إلى موجة احتجاج ومقاومة أوسع يصعب على الجيش احتواؤها.
وبالتالي فإن الخطر الذي تتحدث عنه المصادر الإسرائيلية لم يعد افتراضيًا؛ فكل اعتداء جديد، وكل منزل يُحرق، وكل أرض تُستولى عليها، يضيف مزيدًا من الضغط إلى المشهد المتفجر.
عندما يخشى الجيش من المستوطن
تكشف اعترافات «هآرتس» انقلابًا لافتًا في المعادلة داخل الاحتلال نفسه.
فالمستوطنون الذين يفترض أن الجيش الإسرائيلي مسؤول عن ضبطهم بات بعض ضباطه، وفق المصادر، يحسبون حساب نفوذهم السياسي قبل اتخاذ أي قرار ضدهم.
وهذا يعني أن قوة المستوطنين لم تعد مستمدة فقط من السلاح أو الحماية العسكرية، بل من وجود تيار سياسي نافذ قادر على التأثير في مستقبل الضباط وقرارات المؤسسة العسكرية.
والنتيجة أن الفلسطيني يواجه منظومة متكاملة: مستوطن يعتدي، وحكومة توفر له الغطاء السياسي، وجيش يتردد في إيقافه، ومنظومة استيطانية تستفيد في النهاية من الوقائع الجديدة التي يفرضها على الأرض.
إسرائيل تخشى نتيجة السياسة التي صنعتها
اللافت أن التحذير هذه المرة يأتي من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها.
فبعد سنوات من توسيع المستوطنات وتسليح المستوطنين ومنح اليمين المتطرف نفوذًا متزايدًا، بدأت الأجهزة الإسرائيلية تحذر من أن هذه السياسة قد تدفع الضفة إلى انفجار واسع.
لكن الحديث عن «برميل بارود» يتجاهل حقيقة أساسية: هذا البرميل لم يظهر فجأة.
إنه نتيجة تراكم الاحتلال والاستيطان والهدم والتهجير وعنف المستوطنين، ثم توفير الحماية أو الإفلات من العقاب لمن ينفذون تلك الاعتداءات.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط متى تنفجر الضفة، بل كيف وصلت إسرائيل إلى مرحلة يعترف فيها مسؤولوها الأمنيون بأن جيشها نفسه بات عاجزًا عن ضبط المستوطنين، وأن بعض ضباطه يخشون على ترقياتهم إذا واجهوهم.
فالضفة اليوم لا تقف على «برميل بارود» مجهول المصدر؛ الاحتلال هو من ملأه، والاستيطان هو من راكم مواده المتفجرة، وعنف المستوطنين هو الشرارة التي تحذر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها من أنها قد تشعل مواجهة لا تستطيع السيطرة عليها.