في 27 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت وكالة رويترز تقريرًا منسوبا إلى تصريحات ضابط إسرائيلي متقاعد، كشف أن إسرائيل أعدّت خطة لإقامة مخيم ضخم مغلق في جنوب قطاع غزة، تحديدًا في رفح، يستوعب مئات آلاف الفلسطينيين، ويخضع لإشراف عسكري مباشر، مع أنظمة تدقيق بيومتري ومراقبة صارمة للدخول والخروج، لم يكن الخبر جديدا فقد تم الإعلان عنه مرارا قل ذلك في صور مختلفة فيما يشكل إعلانًا واضحًا عن مشروع تجميع قسري للسكان في منطقة محصورة، تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

لكن ما لم تقله رويترز صراحة في صدر التقرير، هو أن هذا المخطط لم يكن إسرائيليًا خالصًا، ولا أمريكيًا فقط، بل احتاج إلى شريك عربي صهيوني يوفر المال والبنية التحتية والغطاء السياسي، وبالطبع هنا يبرز النظام الإماراتي كحلقة حاسمة في تنفيذ الخطة.

المخيم ليس فكرة طارئة… بل مشروع قيد الإعداد

في يوليو/تموز 2025، كان وزير الدفاع الإسرائيلي قد أصدر أوامر للجيش بالتحضير لإقامة ما سُمّي حينها «مدينة إنسانية» في رفح. منذ ذلك التاريخ، بدأت عمليات تجريف واسعة للأرض، وهدم ممنهج للأحياء، في تهيئة واضحة لموقع تجميع سكاني ضخم. أو بالمعنى الفعل سجن كبير، داخل سجن أكبر، هذا التدرج الزمني يُسقط ادعاء “الحل الطارئ”، ويؤكد أن المشروع جزء من رؤية إسرائيلية لإدارة غزة بعد الحرب.

بتحويلها إلى «معسكر اعتقال حديث» وهذا ليس توصيفًا إعلاميًا مبالغًا فيه، بل استنتاجًا منطقيًا من طبيعة السيطرة الأمنية، وغياب حرية الحركة، وربط المساعدات بالامتثال الأمني، هذا نموذج قريب من نموذج تقديم المساعدات عبر مؤسسة الغزة الإنسانية، اسم براق وإنساني يوضع كثر الممارسات والتصرفات وحشية في العصر الحديث، ومع ذلك، لم يكن بمقدور إسرائيل تنفيذ هذا السيناريو وحدها، لا ماليًا ولا سياسيًا.

النظام الإماراتي: و هندسة اليوم التالي

منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، تبنّت الإمارات خطابًا علنيًا مزدوجًا: إدانة عامة للعنف، ودعوات إنسانية لوقف إطلاق النار، مع الإبقاء الكامل على العلاقات مع إسرائيل. رويترز نفسها كشفت في نوفمبر 2023 أن أبوظبي قررت الحفاظ على قنواتها الدبلوماسية مع تل أبيب رغم الغضب الشعبي، بدعوى “التأثير من الداخل”. لكن هذا “التأثير” لم يتجسد في وقف الحرب، بل في المشاركة الفعلية في هندسة ما بعدها.

في يناير/كانون الثاني 2025، نشرت رويترز تقريرًا حصريًا آخر كشف أن الإمارات دخلت في محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل حول إدارة غزة بعد الحرب، بما في ذلك تشكيل إدارة مؤقتة، ونشر ترتيبات أمنية بديلة عن حماس، وحتى الاستعانة بشركات أمن خاصة مكونة من ميليشيات إجرامية وقطاع طرق من ناهبي أموال المساعدات، علي رأسهم ميليشيا ياسر أبو شباب.

الانضمام الإماراتي لاحقًا إلى ما عُرف بـ«مجلس السلام» الذي روّج له الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إلى جانب دول عربية أخرى، منح هذا المسار غطاءً دبلوماسيًا إضافيًا. فالحديث لم يعد عن تهجير خارجي، بل عن «إعادة تنظيم الداخل»، وهو التعبير الأخطر.

الماء… حين تتحول الإغاثة إلى أداة تهجير

أكثر ما يكشف الدور الإماراتي ليس الخطاب السياسي، بل الأرقام. منذ نهاية 2023، شرعت الإمارات في تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة في جنوب غزة وسيناء، تحت عنوان الإغاثة. في يناير 2024، افتتحت ست محطات تحلية مياه في رفح المصرية، بطاقة إنتاجية تبلغ 1.2 مليون غالون يوميًا، تكفي – بحسب وكالة أنباء الإمارات – لأكثر من 600 ألف شخص. الرقم ليس عشوائيا هنا؛ هو مطابق تمامًا للعدد الذي تحدثت عنه إسرائيل لاحقًا كسعة للمخيم المخطط في رفح.

ثم، في أغسطس 2025، دشّنت الإمارات خط أنابيب مياه مباشر من رفح المصرية إلى داخل قطاع غزة بطول نحو 7.5 كيلومترات، بطاقة تصل إلى مليوني غالون يوميًا، مع تركيز على منطقة المواصي جنوب القطاع. مرة أخرى، الرقم يتكرر: القدرة التصميمية موجهة لتأمين احتياجات مئات آلاف الأشخاص في منطقة واحدة.

هذه المشاريع، التي نُفذت بإشراف فرق هندسية إماراتية، لا يمكن فصلها عن المخطط الإسرائيلي. فبدون هذا الإمداد المائي الهائل، يستحيل تجميع هذا العدد من السكان في بقعة محصورة دون انهيار إنساني فوري. الإمارات هنا هي المموّل اللوجستي الذي جعل المخيم ممكنًا.

من المخيم إلى المدينة المخططة

التحقيق الأخطر جاء من صحيفة الغارديان البريطانية في 23 يناير 2026، حين كشفت، استنادًا إلى وثائق تخطيط مسرّبة، أن الإمارات تعتزم تمويل أول مجتمع سكني مخطط في جنوب غزة. الوثائق، التي قُدمت لممثلي دول مانحة، أظهرت أن المشروع يتضمن إسكانًا حديثًا، وخدمات، ومدارس، لكن تحت شروط أمنية صارمة: بيانات بيومترية، رقابة مالية، ومناهج تعليمية بإشراف خارجي، في هندسة اجتماعية وأمنية كاملة.

 الإمارات، بحسب الوثائق، وافقت على تمويل المشروع كاملًا بموافقة إسرائيلية وأمريكية مسبقة. وهنا تتضح الصورة: ما وصفته رويترز بـ«مخيم» يتخذ عمليًا شكل سجن مغلق، تموّله الإمارات، وتتحكم به إسرائيل، ويدار سياسيًا برعاية أمريكية.

رغم كل هذه المعلومات وجوهت بصمت إمارتي حين سألت الغارديان أبوظبي عن دورها التمويلي في هذا المشروع، لم تنفي لكن رفضت التعليق، وهو ما لا يمكن قراءته إلا بوصفه إقرارًا ضمنيًا.

في فبراير 2025، أبلغ محمد بن زايد وزير الخارجية الأمريكي رفضه لإزاحة الفلسطينيين من أرضهم، وهو تصريح صحيح شكليًا، لكنه يتجنب جوهر السؤال: ماذا عن تجميعهم في معازل مغلقة داخل أرضهم؟

الإمارات شريك لا وسيط

مجمل الوقائع، من تقارير رويترز إلى تحقيقات الغارديان وغيرها، ترسم صورة لا لبس فيها: الإمارات ليست مراقبًا، ولا وسيطًا، ولا مجرد ممول إنساني. هي شريك مركزي في تنفيذ أخطر مخطط لإعادة تشكيل غزة بعد الحرب، عبر المال والبنية التحتية والغطاء السياسي.

ما يُطرح اليوم بوصفه “مدينة إنسانية” ليس سوى نسخة محدثة من معسكرات التجميع، بواجهة عربية هذه المرة. الإمارات، التي ترفع شعار رفض التهجير، شاركت عمليًا في تهيئة شروطه. وبينما تتجنب إعلان ذلك صراحة، فإن الأرقام والمشاريع والتوقيتات تفضح الحقيقة.

بهذا المعنى، لم يعد السؤال ما إذا كانت الإمارات متورطة، بل إلى أي حدّ قررت أن تكون الذراع الناعمة لمشروع إسرائيلي لا تجرؤ حتي الولايات المتحدة الحليف الأوثق لإسرائيل على تمويله علنًا.