في تأكيد جديد على التزامها بما تم الاتفاق عليه ضمن “صفقة طوفان الأقصى”، أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أنها سلّمت الأربعاء جثتين إضافيتين لمنظمة الصليب الأحمر الدولي، ضمن عملية تسليم جثامين أسرى الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.

وقالت القسام في بيانها إنها “قامت بتسليم جميع من لديها من الأسرى الأحياء وما بين أيديها من جثثٍ لقوات الاحتلال”، مضيفة أن ما تبقى من الجثامين “يتطلب جهودًا ضخمة ومعدات خاصة للبحث عنها واستخراجها من تحت الأنقاض”.

وأشارت الكتائب إلى أن فرقها تعمل في ظروف “استثنائية وصعبة للغاية” في ظل الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب، مؤكدة أن المقاومة “تسعى لإغلاق هذا الملف الإنساني بما ينسجم مع مبادئها والتزاماتها تجاه الوسطاء”.

هذا الإعلان يأتي بعد أيام من تسليم القسام أربع جثامين لجنود الاحتلال، بينهم “غاي إيلوز” و”يوسي شرعبي” و”بيفين جوشي” و”دانيال بيريز”، ضمن المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق الذي رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين حماس والاحتلال.

إسرائيل تقرّ بعجزها عن استعادة كل الجثامين بسرعة

من جانبها، أكدت صحيفة هآرتس العبرية أن تسليم الجثتين الجديدتين يأتي ضمن تفاهمات لا تزال “سارية المفعول”، وأن إسرائيل كانت على علم مسبق بأن حماس “لن تتمكن من استخراج كل الجثامين خلال أيام معدودة بسبب حجم الدمار الهائل في غزة”.

ونقلت الصحيفة عن مصادر سياسية قولها إن حكومة الاحتلال “تُبدي تفهمًا نسبيًا لهذا التأخير”، وإن ذلك “لم يؤثر حتى الآن على مفاوضات المرحلة الثانية من الصفقة”.

أما جيش الاحتلال، فقد قال في بيان رسمي إن “الصليب الأحمر أبلغنا بتسلم جثتي رهينتين وهما في طريقهما إلى قواتنا في قطاع غزة”، مؤكدًا أنه “يواصل التحقق من هوية الجثث المستلمة”.

لكن التحقيقات الأولية أثارت جدلًا داخل إسرائيل، إذ تبين أن إحدى الجثث التي تسلمتها قوات الاحتلال لا تعود لأي من المحتجزين الإسرائيليين، بل لمواطن فلسطيني من غزة، بحسب ما نقلته القناة 12 العبرية.

وأوضحت القناة أن المعهد الوطني للطب الشرعي في تل أبيب “تعرف على هويات ثلاثة فقط من بين الجثث الأربعة التي تسلمها الاحتلال”، وهو ما دفع الجيش إلى مطالبة حماس بـ”مواصلة عمليات البحث وانتشال ما تبقى من الجثامين”.

الالتزام الفلسطيني مقابل خروقات الاحتلال

المتحدث باسم حركة حماس، حازم قاسم، قال في بيان مقتضب إن الحركة “تتابع تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بشأن تسليم جثث الجنود الإسرائيليين المحتجزين لدى كتائب القسام، في إطار التزامها باتفاق وقف الحرب على قطاع غزة”، لكنه في الوقت نفسه اتهم الاحتلال بارتكاب “خرق واضح للاتفاق عبر مواصلة القصف على مناطق الشجاعية ورفح وقتل المدنيين”.

ودعا قاسم الوسطاء إلى “إلزام الاحتلال بتعهداته الواردة في الاتفاق”، مؤكدًا أن استمرار الخروقات “يهدد بعودة الأمور إلى مربع التصعيد”.

ويأتي هذا الموقف في ظل تحذيرات متزايدة من أن الاحتلال يسعى إلى “استغلال الجانب الإنساني من الصفقة” لفرض شروط جديدة، خاصة بعد أن نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين في الحكومة قولهم إن تل أبيب “لن تستمر في تنفيذ المراحل اللاحقة إذا لم تتسلم جميع الجثث في أقرب وقت”.

في المقابل، تؤكد كتائب القسام أن “ما تبقى من الجثث مدفون تحت ركام أحياء كاملة”، وأن “الظروف الميدانية والإنسانية الحالية في غزة تجعل عمليات الانتشال شديدة الخطورة والتعقيد”، وفق ما ورد في بيانها الأخير.

الصليب الأحمر: الدمار يعقّد عمليات الانتشال

اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تتولى الوساطة اللوجستية في عملية تبادل الجثث، أكدت على لسان متحدثها كريستيان كاردون أن “عملية تسليم جثث الرهائن والمعتقلين الذين قتلوا في الحرب ستستغرق وقتًا طويلاً وتمثل تحديًا هائلًا”، مشيرًا إلى أن “الدمار في قطاع غزة يجعل عمليات البحث والانتشال صعبة للغاية، بل وهناك احتمال بعدم العثور على جميع الجثث”.

وأضاف كاردون أن الصليب الأحمر “يتعامل مع أطراف النزاع لتأمين الممرات الإنسانية وضمان احترام اتفاقات التسليم”، مؤكدًا أن المنظمة “تعمل في ظروف ميدانية غير مسبوقة”.

ويُذكر أن الاتفاق الذي رعاه ترامب نصّ على تسليم جميع الأسرى، أحياءً وأمواتًا، خلال 72 ساعة من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. لكن حتى الآن، وبعد مرور أكثر من أسبوع، سلّمت حماس 20 أسيرًا حيًا و8 جثامين فقط، فيما تُقدر إسرائيل أن نحو 20 جثة لا تزال داخل قطاع غزة.

جهود المقاومة: بين الالتزام الإنساني والضغوط السياسية

من الواضح أن كتائب القسام تسعى لإظهار التزامها الكامل ببنود الاتفاق، ليس فقط في إطار الصفقة الإنسانية، بل أيضًا كرسالة سياسية إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين، ولا سيما قطر ومصر وتركيا، بأن حماس “تحترم التزاماتها رغم الظروف القاسية”.

ويشير محللون إلى أن القسام يدرك أهمية الملف في الحفاظ على الدعم الشعبي والسياسي للحركة، خاصة بعد وقف إطلاق النار الذي وصفته إسرائيل بأنه “انتصار عسكري” لكنه عمليًا كشف هشاشتها أمام حرب المدن في غزة.

في الوقت ذاته، يرى مراقبون أن تل أبيب تستخدم قضية الجثامين كأداة ضغط لانتزاع تنازلات إضافية من حماس في المراحل المقبلة، سواء عبر ربطها بإعادة الإعمار أو بالمساعدات الإنسانية.

ومع ذلك، فإن تمسك القسام بموقفها المعلن، وسعيها الدؤوب لانتشال الجثث رغم الدمار، يعكس — بحسب مراقبين — محاولة المقاومة إثبات أنها طرف منضبط في اتفاق دولي معقد، في وقت يواصل فيه الاحتلال انتهاكاته وخرقه لبنوده.

خلاصة

ما بين التزام المقاومة وخرق الاحتلال، تتواصل معركة سياسية وإنسانية موازية على أنقاض غزة. فالقسام، وهي تسعى لإغلاق ملف الجثامين، تحاول إثبات مصداقيتها أمام العالم ووسطائها، بينما تحاول إسرائيل توظيف المشهد لتشويه الحركة وابتزازها سياسيًا.

لكن الواقع الميداني، كما يقول الصليب الأحمر، يؤكد أن البحث تحت الركام أصعب من أي تفاوض فوق الطاولة — في مشهد يختصر مأساة غزة كلها: حربٌ لم تنتهِ فعليًا رغم وقف النار، وجثامين لا تزال شاهدة على عمق الدمار والخذلان الدولي.

اقرأ أيضًا : محمد بن سلمان يواصل سياسة تكميم الأصوات.. السعودية تعتقل الزعيم السلفي اليمني أبو الحسن السليماني