في حدث وُصف بأنه الأهم منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة قبل عامين، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فجر الخميس توقيع المرحلة الأولى من خطته للسلام بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية حماس، في اتفاق يشمل وقف الحرب وانسحاب القوات الإسرائيلية وتبادل الأسرى. الإعلان الذي حمل طابعًا احتفاليًا في واشنطن وارتياحًا حذرًا في غزة، مثّل تتويجًا لجولات وساطة شاقة، وسط تأكيد المقاومة أن ما تحقق ثمرة لصمود الشعب الفلسطيني لا لتنازلات سياسية.

ترامب يعلن وقف إطلاق النار
في خطاب متلفز نشره على منصة “تروث سوشيال”، أعلن ترامب التوصل إلى اتفاق “تاريخي”، مؤكداً أنه يمهد لـ”سلام قوي ودائم في الشرق الأوسط”. وأوضح أن إسرائيل ستسحب قواتها إلى “خط متفق عليه” في غزة، على أن يبدأ تنفيذ المرحلة الأولى فوراً، مشيرًا إلى أن “جميع الرهائن سيُطلق سراحهم قريبًا جدًا”.
وشكر ترامب الوسطاء من قطر ومصر وتركيا، مؤكداً أن “هذا اليوم عظيم للعالم العربي والإسلامي وإسرائيل والولايات المتحدة”. وأضاف في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” أنه من المتوقع إطلاق سراح المحتجزين يوم الاثنين المقبل، لافتاً إلى أن الاتفاق يتضمن بدء عملية إعادة إعمار غزة وتشكيل “مجلس سلام” للإشراف على التنفيذ.
ترامب كشف أيضًا عن مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً إن “نتنياهو سعيد للغاية وينبغي أن يكون كذلك”. وأشار إلى احتمال زيارته للمنطقة قريبًا، قائلاً: “قد ألقي خطابًا في الكنيست، وربما أزور غزة أو القاهرة لاحقًا”.
مضمون الاتفاق وتفاصيل المرحلة الأولى
وفق تسريبات نقلتها صحف أميركية بينها نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال، تشمل المرحلة الأولى من الاتفاق وقفًا شاملاً لإطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من داخل قطاع غزة إلى خطوط محددة خلال 24 ساعة، مقابل إطلاق سراح الأسرى والمحتجزين من الطرفين.
وسيتم الإفراج عن نحو 20 محتجزًا إسرائيليًا أحياء في غزة، إضافة إلى رفات 28 آخرين، مقابل إطلاق سراح أكثر من ألفي أسير فلسطيني من سجون الاحتلال، بينهم 250 محكومون بالمؤبد و1700 اعتُقلوا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
كما تتضمن المرحلة انسحابات إسرائيلية “مجدولة زمنياً”، وفتح ممرات إنسانية لإدخال المساعدات وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار تحت إشراف أممي ـ قطري ـ تركي.
ونقلت شبكة “أي بي سي” الأميركية عن مسؤول في البيت الأبيض أن إدارة ترامب ضمنت لإسرائيل ترتيبات أمنية “دفاعية” على حدود القطاع، فيما قدمت لحماس ضمانات بعدم استئناف الحرب بعد تبادل الأسرى، وهو ما أكدته مصادر قطرية للجزيرة.
حماس: الاتفاق ثمرة صمود لا تنازل
في غزة، أعلنت حركة حماس رسميًا قبولها الاتفاق، مؤكدة أنه يقضي بإنهاء الحرب كلياً، وبدء إعادة الإعمار، وانسحاب الاحتلال من القطاع. وقالت في بيانها: “نُعبّر عن تقديرنا لجهود الوسطاء وحرص الرئيس ترامب على وقف العدوان نهائياً، ونؤكد أننا من الشعب والشعب منا، وما تحقق ثمرة لصمود شعبنا وتضحياته”.
ودعت الحركة الولايات المتحدة والدول الضامنة إلى “منع الاحتلال من المماطلة أو التنصل”، مشددة على أن المقاومة “ثبتت معادلة الردع وفرضت شروطها رغم عامين من الإبادة والحصار”.
من جانبه، قال عضو المكتب السياسي للحركة عزت الرشق إن “انضمام قطر وتركيا إلى المفاوضات منح العملية دفعة قوية، وضيق هامش المناورة أمام نتنياهو الذي حاول مرارًا إفشال أي اتفاق”.
الموقف الإسرائيلي وتحديات التنفيذ
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن أنه سيعقد اليوم اجتماعاً لمجلس الوزراء للمصادقة على الاتفاق، مشيراً إلى أنه تحدث مطولاً مع ترامب بعد الإعلان. ودعا الرئيس الأميركي لإلقاء خطاب في الكنيست، فيما نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول أميركي قوله إن “الحرب في غزة انتهت فعلاً”.
أما الجيش الإسرائيلي، فأعلن حالة تأهب “دفاعية” استعدادًا لتنفيذ بنود الاتفاق، مع توجيهات من رئيس الأركان إيال زامير بالتحضير لعملية إعادة الأسرى.
لكن محللين في تل أبيب يرون أن التنفيذ قد يواجه عراقيل داخل الائتلاف الحكومي اليميني، إذ يعتبر بعض الوزراء الاتفاق “تنازلاً خطيراً لحماس”. ومع ذلك، يبدو أن الضغط الأميركي والظروف الميدانية تركت نتنياهو أمام خيار وحيد: القبول.
ختام: من صمود الميدان إلى أوراق المفاوضات
بعد عامين من الإبادة والتجويع، بدا واضحًا أن معادلة القوة تغيّرت. فالمقاومة التي صمدت تحت النار وواجهت آلة الحرب الإسرائيلية خرجت لتفرض اتفاقًا يعيد الإعمار ويفتح باب الحرية للأسرى، فيما تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتراجع تحت ضغط الواقع والوسطاء.
ومع أن الطريق إلى سلام “قوي ودائم” لا يزال طويلاً وشائكًا، فإن ما حدث فجر الخميس يمثل لحظة مفصلية تُظهر أن الشعوب — لا الجيوش ولا التحالفات — هي التي تصنع التاريخ حين تثبت وتصبر وتقاوم.
اقرأ أيضًا : نائبة إيطالية تفضح وحشية الاحتلال: “هذا ما فعلته إسرائيل بنا في عرض البحر”