اتهمت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الاحتلال الإسرائيلي بمحاولة إفشال اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أميركية ومصرية وقطرية، مؤكدة أن الحكومة الإسرائيلية تواصل التهرب من تنفيذ بنود المرحلة الأولى المتعلقة بالمساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، وفتح المعابر، وسحب قواتها من قطاع غزة.
وقال إسماعيل رضوان، القيادي في الحركة، في مقابلة مع قناة الجزيرة، إن “الاحتلال يماطل في تنفيذ ما عليه من التزامات، ويسعى لإبقاء الحصار خانقاً على القطاع رغم مرور أسابيع على توقيع الاتفاق”، مشيراً إلى أن إسرائيل لم تدخل سوى “كميات ضئيلة من المساعدات مقارنة بما تم الاتفاق عليه وهو 600 شاحنة يومياً على الأقل”.
وأوضح أن الاحتلال يمنع دخول المواد الإغاثية العاجلة، والخيام، والمعدات الثقيلة الخاصة بإزالة الأنقاض وانتشال الجثث من تحت الركام، لافتاً إلى أن من بين تلك الجثث أسرى إسرائيليين يُفترض أن تساعد الطواقم الدولية في استعادتها، لكن إسرائيل – على حد قوله – “تعطل دخولها وتتهم المقاومة بإخفائهم”.
كما أشار رضوان إلى أن استمرار إغلاق معبر رفح ورفض السماح بسفر المرضى للعلاج في الخارج يمثل خرقاً صريحاً للاتفاق، محذراً من أن تل أبيب “تحاول تحميل الفلسطينيين مسؤولية الأزمة الإنسانية التي تصنعها بنفسها”.
نزع السلاح.. قضية وطنية لا مساومة عليها
وفيما يتعلق بمستقبل سلاح المقاومة وإدارة قطاع غزة بعد الحرب، شدد رضوان على أن هذه القضايا “لا يمكن بحثها إلا في إطار وطني شامل يمثل كل الفصائل الفلسطينية، لا في إطار إملاءات إسرائيلية أو أميركية”، مؤكداً أن “نزع السلاح قضية وطنية، وهي خط أحمر لا يمكن تجاوزه”.
وأضاف أن حماس “ملتزمة بالاتفاق للوصول إلى وقف العدوان بشكل كامل وانسحاب قوات الاحتلال من كل أراضي القطاع”، لكنها في الوقت ذاته “لن تسمح بتحويل ملف السلاح إلى ورقة ابتزاز أو ضغط على المقاومة”.
وكشف القيادي في الحركة أن حماس سلّمت المصريين موافقة مكتوبة على تشكيل لجنة وطنية مستقلة لإدارة القطاع بشكل عاجل، “من دون مشاركة مباشرة من حماس”، في خطوة تهدف – بحسبه – إلى إنهاء حالة الفراغ الإداري وتوحيد الجهود لإعادة الإعمار، إلا أن الاحتلال “يضع العصي في الدواليب” لمنع تقدم المسار السياسي والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
ويرى مراقبون أن تمسك حماس بموقفها من السلاح يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة المخطط الإسرائيلي – الأميركي الذي يسعى لتحويل غزة إلى كيان منزوع القدرة الدفاعية، تمهيداً لفرض واقع سياسي جديد يُقصي المقاومة. ويشير هؤلاء إلى أن تصريحات رضوان تأتي في سياق “إغلاق الباب أمام أي محاولات لانتزاع سلاح المقاومة تحت ذريعة الترتيبات الأمنية”.
ضغوط أميركية وذرائع إسرائيلية
في المقابل، تواصل واشنطن محاولاتها لإنقاذ الاتفاق الهش، إذ أجرى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس محادثات في تل أبيب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تلاحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، في مسعى لتسريع تنفيذ بنود الاتفاق.
وصرّح فانس خلال زيارته أن “تطبيق الاتفاق يتم بشكل أفضل مما كان متوقعاً”، لكنه أقر بوجود “عقبات لوجيستية” في استعادة جثث الأسرى الإسرائيليين، ملمحاً إلى أن واشنطن “تتفهم” صعوبة الأوضاع في الميدان.
إلا أن حماس ترى في هذه التصريحات محاولة لتغطية فشل إسرائيل في تنفيذ التزاماتها، إذ تستغل تل أبيب ذريعة الجثث المفقودة لتمرير سياسة “الخنق الإنساني”، وإبقاء غزة في حالة انتظار طويلة، على أمل فرض شروط جديدة في المرحلة الثانية تتعلق بإدارة القطاع ونزع السلاح.
ويرى محللون أن إسرائيل تراهن على الوقت، وأنها تستخدم المساعدات كأداة ضغط لإرغام المقاومة على التنازل عن ورقة السلاح مقابل تسهيلات اقتصادية أو فتح المعابر، وهو ما ترفضه حماس بشكل قاطع. ويضيف هؤلاء أن تل أبيب تخشى من أن يؤدي انسحابها الكامل من القطاع إلى فراغ سياسي وأمني قد تملؤه المقاومة بسرعة، مما يجعلها تماطل في تنفيذ البنود الإنسانية أملاً في تعديل موازين القوة على الأرض.
خيارات المقاومة ومأزق الاحتلال
من جهتها، تؤكد حماس أنها ملتزمة بالاتفاق لكنها “لن تسمح باستغلاله لتكريس الاحتلال بأشكال جديدة”، وتعتبر أن ما يجري على الأرض “انتهاك متعمد” لبنود التفاهمات. وطالبت الحركة الوسطاء – وخاصة مصر وقطر والولايات المتحدة – بالضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها والسماح بإدخال المساعدات والآليات الثقيلة، محذّرة من أن استمرار المماطلة “قد يعيد الأمور إلى المربع الأول”.
أما في الداخل الإسرائيلي، فيبدو أن الحكومة تواجه انقسامات حادة بين تيار يدعو لإنهاء الاتفاق وإعادة الحرب، وآخر يرى ضرورة الالتزام به لتجنب العزلة الدولية المتزايدة، خصوصاً بعد تزايد الانتقادات الغربية للانتهاكات الإسرائيلية في غزة، وفتح تحقيقات في جرائم الحرب.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن إسرائيل تحاول اللعب على عامل الزمن، فيما تسعى المقاومة لتثبيت معادلة جديدة: وقف شامل للعدوان مقابل تثبيت حقها في الدفاع، لا نزع سلاحها.
ومع استمرار الحصار وعرقلة المساعدات ورفض إعادة الإعمار، يبقى المشهد الفلسطيني عالقاً بين اتفاق لم يُنفذ بالكامل، ومقاومة تُصر على أن سلاحها ليس موضوع تفاوض، بل عنوان بقاء وهوية وطنية لا يمكن المساس بها.
اقرأ أيضًا : الإمارات تسرق صور نساء صوماليات لتلميع صورتها في أفريقيا: دعاية مموهة ووجوه بريئة