بينما تُنقل جثث الأطفال من تحت أنقاض غزة، وتُطحن عظام النساء تحت ركام البيوت التي قصفها الطيران الإسرائيلي، يظهر محمد بن زايد بكامل أناقته البروتوكولية في قصر الوطن بأبوظبي، ليستقبل النظام الإماراتي رسميًا سفير الاحتلال الإسرائيلي الجديد “يوسي شيلي” ويمنحه أوراق الاعتماد.

ليست هذه مشاهد من مسرح عبثي، بل واقع خليجي يُكتب بدماء الفلسطينيين، ويُختم بشعارات التطبيع الدافئ، والاحتضان الرسمي لكل ما تمثله إسرائيل من وحشية، وعنصرية، واحتلال.

في 9 أبريل 2025، وبينما تستمر الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة بلا توقف، وتصل الأوضاع الإنسانية إلى مستوى الكارثة، كانت قناة “كان” العبرية تبث صورًا حصرية لمراسم استقبال السفير الإسرائيلي الجديد في الإمارات، وهو يصافح رئيس الدولة، ويتبادل معه الابتسامات والأحاديث الودية، في قاعة لا تحمل سوى السجادة الفاخرة وراية الولاء الدبلوماسي.

من هو يوسي شيلي؟ ولماذا الآن؟

يوسي شيلي ليس مجرد دبلوماسي عابر. الرجل شغل منصب مدير عام مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويُعتبر من أكثر الشخصيات التصاقًا بالمؤسسة الأمنية والسياسية اليمينية في تل أبيب. تعيينه في أبوظبي يعني شيئًا واحدًا: أن إسرائيل لم تعد تبحث عن علاقات شكلية مع الإمارات، بل عن شراكة أمنية-استخباراتية-اقتصادية تتجاوز كل الخطوط الحمراء.

واختيار هذا التوقيت تحديدًا لتقديم أوراق اعتماده – وسط ذروة الإبادة في غزة – ليس عبثيًا.

بل هو رسالة إسرائيلية مدروسة تقول: إن علاقاتنا مع الإمارات لا تتأثر بالدم الفلسطيني، بل تزدهر عليه.

وما كان من الإمارات إلا أن قالت: “نحن معكم، في كل الأحوال.”

النظام الإماراتي تعمد المشهد البروتوكولي

على السطح، قد يبدو الخبر “دبلوماسيًا عاديًا”: سفير جديد، أوراق اعتماد، لقاء رئاسي.

لكن على من يقرأ السياسة جيدًا أن يسأل: لماذا الآن؟ ولماذا محمد بن زايد شخصيًا؟

الإجابة:

  1. شرعنة الإبادة: إسرائيل بحاجة ماسة الآن إلى واجهات سياسية “نظيفة” لتُغطي بها جرائمها في غزة. استقبال سفيرها من قبل رئيس دولة عربية كبرى يمنحها ورقة سياسية تقول فيها للعالم: “نحن لسنا معزولين، بل مرحّب بنا في العواصم العربية.”
  2. رسالة للتكتلات العربية: بعد بوادر التقارب السعودي-الإيراني، ومحاولات القاهرة المتأخرة للتوازن في علاقاتها مع إسرائيل، أرادت أبوظبي أن تؤكد أنها اليد الأكثر ثباتًا لتل أبيب في الخليج.
  3. رد استباقي على الدعوى السودانية: في نفس الأسبوع الذي تنتظر فيه الإمارات أولى جلسات محكمة العدل الدولية حول تورطها في الإبادة الجماعية في دارفور، تأتي هذه الخطوة كتأكيد على أن الدعم الإسرائيلي السياسي ما زال قائمًا، بل ويتوطد أكثر.

الصورة لا تخدع: النظام الإمارتي يصافح مشروع الإبادة

حين يقف محمد بن زايد ليبتسم أمام السفير الإسرائيلي، فهو لا يُجامل ممثل دولة، بل يُبارك مشروعًا متكاملًا يقوم على:

  • هدم منازل الفلسطينيين في القدس.
  • حرق عائلات في مخيمات اللاجئين.
  • قصف مستشفيات ومساجد ومدارس في غزة.
  • قمع كل من يتضامن مع فلسطين داخل حدود “الديمقراطية الإسرائيلية”.

ثم يأتي هذا المشروع، بشحمه ولحمه، ممثلًا في “يوسي شيلي”، ليُستقبل استقبال الملوك، بينما تُمنع التظاهرات المؤيدة لفلسطين في شوارع أبوظبي، ويُخنق الإعلام العربي التابع للإمارات من ذكر أي موقف داعم لغزة.

ليس النظام الإمارتي “محايدا”، كما يحاول أن يصور نفسه

بل هي الطرف الأكثر نشاطًا في تثبيت التطبيع كأمر واقع، بل وتوظيفه في لحظات الحرب كمظلة لحماية إسرائيل سياسيًا من الإدانة، وعسكريًا من العزلة، واقتصاديًا من الانهيار.

فأبوظبي لم تسحب سفيرها من تل أبيب، لم تُصدر بيان إدانة حقيقي، لم تُوقف الاستثمارات، لم تُجمّد التعاون العسكري، لم تُنسّق مع الدول العربية لوقف المجازر، بل فعلت العكس تمامًا.

سلّمت أوراق الاعتماد لسفير الاحتلال، بينما تغرق غزة بالدماء.

 في حضرة السفارات، تغيب فلسطين

وفي صورة بن زايد مع يوسي شيلي، يُختزل الموقف الإماراتي في سطر واحد: نحن مع الاحتلال، بكل ما فيه.

لن تنفع لاحقًا مزاعم “دعم الشعب الفلسطيني”، ولا محاولات غسل الوجه بـ”مساعدات إنسانية” شكلية، ولا بيانات خجولة عن “ضرورة التهدئة”.

فمن يستقبل سفير الاحتلال في يوم تُقصف فيه غزة، لم يعد بحاجة إلى تبرير، لقد اختار موقعه في الحرب، واختار أن يقف إلى جانب من يقصف، لا من يُقصف.

وما يُبنى على التطبيع، لا يثمر إلا خيانة، ومن يصافح القتلة، لا ينتظر منه أحد أن يكتب التاريخ.. بل أن يُحاكم فيه.