لليوم الثالث والأربعين على التوالي، يتواصل الإضراب المفتوح عن الطعام داخل “القطاع 2” من سجن “بدر 3″، حيث يقبع عشرات المعتقلين السياسيين من أبرز قيادات المعارضة المصرية. 

في المقابل، تواصل السلطات المصرية سياسة الإنكار والتنكيل، وسط مؤشرات متزايدة على أن ما يجري هو انتقام سياسي ممنهج من خصوم عبد الفتاح السيسي، وخصوصاً رموز ثورة يناير وحكم الرئيس الراحل محمد مرسي.

وبينما تحذر منظمات حقوقية من خطر الموت الجماعي، تكتفي وزارة الداخلية بنفي الانتهاكات، معتبرة كل ما ينشر “ادعاءات إخوانية”. فهل يتحول الصمت الرسمي إلى شراكة في الجريمة؟

إضرابٌ يفضح سياسات الإذلال

بدأت شرارة الإضراب المفتوح عن الطعام في 20 حزيران/ يونيو الماضي داخل سجن “بدر 3″، على يد 35 معتقلًا سياسيًا من أبرز رموز الإخوان المسلمين وقيادات عهد الرئيس مرسي. 

مطالب المعتقلين كانت بسيطة: الحق في الزيارة، التريض، إدخال الطعام، سماع الراديو، وأداء صلاة الجمعة. 

لكن رد وزارة الداخلية لم يكن سوى المزيد من التنكيل: قطع المياه أغلب اليوم، إغلاق الصرف الصحي، تجريد الزنازين من المصاحف، وتهديد باقي المعتقلين بالنقل إلى القطاع المعاقَب إذا أبدوا أي تضامن.

التسريبات من داخل الزنازين تحدثت عن محاولات انتحار، وإيصال أجهزة طبية إلى داخل الزنازين لتقليل فرص النقل خارجها، مما يشير إلى خوف النظام من تسرب الرسائل. هذه الإجراءات القمعية لم تترك للمعتقلين سوى خيار واحد: كشف الحقيقة من قاعة المحكمة.

قاعة المحكمة تتحول إلى منصة للنداء الأخير

في مشهد نادر، تحوّلت قاعة محكمة جنايات القاهرة إلى منبر يصرخ فيه المعتقلون ضد الظلم، وعلى رأسهم الدكتور حسن البرنس، الذي سلّم القاضي وصية مكتوبة على منديل ورقي بعنوان “وصيتي من عنبر الموت”، واصفًا ما يجري بأنه “موت بطيء في أسوأ سجن في العالم”. 

لم يكن وحده، بل انضم إليه الوزير السابق خالد الأزهري والنائب أحمد أبو بركة بشهادات تقشعر لها الأبدان.

قال الأزهري بصوت مرتجف: “عندما أصل لمرحلة أقطع فيها شراييني، فهذا يعني أني لم أعد أحتمل”. فيما أكد البرنس إضرابه عن الطعام منذ أسبوعين، مشيرًا إلى وقوع 15 محاولة انتحار داخل السجن. لكنّ القاضي محمد الشربيني لم يتجاوب مع هذه الصرخات، بل جدّد حبسهم في مشهد يعكس قسوة القضاء المصري، وعدم استقلاله عن السلطة التنفيذية.

 السيسي ومعاقبة الثورة.. سجن “بدر” كرمز للانتقام

منذ لحظة إنشائه في ديسمبر 2021، كان “سجن بدر” بمثابة واجهة دعائية للنظام، حيث رُوّج له كمركز “إصلاح وتأهيل” يحترم حقوق الإنسان. لكن سرعان ما انكشفت الحقيقة: “بدر 3” ليس إلا نسخة محدثة من “العقرب”، بل أشد قسوة، ومغلق تمامًا أمام الرقابة الحقوقية.

الرسائل المسرّبة والنداءات الموجهة للأمم المتحدة – وآخرها رسالة أسامة مرسي ورفاعة الطهطاوي – تكشف أن السيسي لا يكتفي بعزل خصومه خلف الأسوار، بل يسعى لإذلالهم حتى آخر رمق، في مشهد يشبه الانتقام الجماعي لا السجن القضائي. ومع غياب الزيارات منذ ثماني سنوات، وحرمان المعتقلين من أبسط حقوقهم، تتكرس سياسة الموت البطيء كوسيلة لإنهاء ملف الثورة بلا تكلفة سياسية ظاهرة.

ومع توسع الحملة التضامنية الأخيرة لعائلات المعتقلين، التي ترافقت مع هاشتاغات ومقاطع مصورة ورسائل عبر الإعلام الحقوقي، يعود ملف “سجن بدر” إلى الواجهة، متجاوزًا أسوار الرقابة والحجب. لكن النظام لا يزال يعاند، مستندًا إلى صمت دولي متواطئ أو مشغول بأولويات أخرى.

هل تسبق المأساة الاستجابة؟

رغم التعتيم، تشير الوقائع إلى أن “بدر 3” بات مركزًا لأكبر عملية انتقام سياسي من معتقلي ما بعد 2013، خصوصًا أولئك الذين يشكلون رموزًا في ذاكرة المصريين. ومع تفاقم الأوضاع النفسية والجسدية للمعتقلين، وتلويح بعضهم بالانتحار الجماعي، تقف البلاد على شفا كارثة إنسانية لا تقل فداحة عن تلك التي هزّت الضمير العالمي في سجن “أبو غريب” أو “غوانتانامو”.

المشهد الآن مرعب: سجناء بلا حقوق، محاكم بلا عدالة، ونظام يحكم بالقهر لا القانون. في المقابل، تتعالى الأصوات الحقوقية المطالبة بتدخل أممي عاجل، وسط مخاوف من أن يكون الإضراب الحالي هو “الهدنة الأخيرة” قبل انفجار لا يُحمد عقباه.

وفي ظل هذه الأوضاع، يبدو السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يحتاج العالم إلى صور جثث جديدة من داخل “بدر 3” كي يتحرك؟ أم أن حياة المعارضين في مصر لم تعد تساوي شيئًا في ميزان المصالح الدولية؟

اقرأ أيضًا :  حماس تعرض العودة إلى المفاوضات.. ولكن بعد وقف “التجويع الجماعي”